حوار فلسفي جيوسياسي مع د زهير الخويلدي
حول التغيرات الجذرية في المنطقة العربية والخريطة السياسية للتوازنات بين القوى في العالم والثورة الرقمية والإنسانية الخارقة والذكاء الاصطناعي والتحديات الايكولوجية المعاصرة والقراءة المستقبلية.
د. زهير الخويلدي هو فيلسوف وباحث أكاديمي تونسي بارز، يُعد أحد أبرز الأصوات في الفكر الفلسفي العربي المعاصر. ولد في تونس، ويحمل درجة الدكتوراه في الفلسفة المعاصرة من كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس، حيث ركز أطروحته على "تقاطع السردي والإيتيقي من خلال أعمال بول ريكور". يعمل أستاذًا جامعيا في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان، وهو عضو في جملة من الهيئات العلمية لعدة مجلات ومؤسسات فكرية للدراسات والأبحاث. يتقن ثلاث لغات (العربية، الفرنسية، والإنجليزية)، ويُعرف بجهوده في ترجمة ونشر الأفكار الفلسفية الغربية مع نقدها من منظور عربي إسلامي. شارك في برامج تلفزيونية مثل "القنديل"، ولديه حضور رقمي نشط على منصات مثل فيسبوك ويوتيوب، حيث يناقش قضايا فلسفية معاصرة. يُوصف د. الخويلدي بأنه "أحد أبرز المكافحين العرب المسلمين" الذين ساهموا في إثراء الفكر الفلسفي العربي الإسلامي، من خلال مقاربة كفاحية تجمع بين التنوير والمقاومة، مستلهمًا فلاسفة مثل بول ريكور، إدغار موران، وإدوارد سعيد. أعماله تشمل كتبًا مثل "معان فلسفية" (2009)، "تشريح العقل العربي الإسلامي" (2013)، و"لم نحتاج الفلسفة في زمن الذكاء الاصطناعي؟" (2025)، بالإضافة إلى مقالات عديدة تناولت فلسفة الدين، الحداثة، والترجمة. يرى في الفلسفة أداة للتحرر والتقدم، محذرًا من أزماتها الراهنة، ومؤكدًا على دورها في النقد، الاستيعاب، والتوجيه. اذ يتميز د. الخويلدي بمواقف ملتزمة تجاه قضايا الحداثة والتنوير، مستندًا إلى رؤية فلسفية تغييرية تربط بين التراث العربي الإسلامي والفكر العالمي. يرى في الفلسفة عنوان اليقظة وبوصلتها، ويؤكد أن العرب يحتاجون إليها "كحاجتهم للهواء"، لتحقيق التقدم والكونية من خلال الإبداع الفكري والحوار الثقافي. كما يُقارب د. الخويلدي الحداثة كفترة أزمة وتحول، حيث يدعو إلى "إعادة بناء الأروقة المعرفية على دعائم معاصرة"، مستلهمًا بول ريكور الذي يرى الحداثة "تقترب من تعريف نفسها عن طريق تعارضها مع نفسها عينها". ينتقد "الحداثة السائلة" و"ما بعد الحداثة"، محذرًا من رفض السرديات الكبرى والمحاكاة الساخرة، ويدعو إلى عودة إلى الأصول الفلسفية للتوفيق بين التراث والحداثة. في مقالته "عن أية حداثة تخصنا يمكن أن نتحدث حسب بول ريكور؟"، يؤكد على الحداثة كأداة للتحرر من الهيمنة الثقافية، مع التركيز على الإصلاح التعليمي وتثوير البحوث الدينية لتناسب روح العصر. يرى في الحداثة فرصة لـ"تحويل التقدم المادي إلى تقدم روحي"، خاصة في مواجهة العولمة التي ترجمت "الفشل الذريع للتنوير الصناعي". على هذا النحو يُعتبر التنوير محورًا في فكر د. الخويلدي، حيث يدعو إلى "نقد المجتمع وتنوير الحشود وتدريب الناس على إيجاد حلول لمشاكلهم بأنفسهم". يفرق بين دور الفيلسوف كموجّه نقدي والكاهن كمستشار، ويؤكد أن التنوير يحقق التقدم ويجعل "كل خطوة إلى الخلف أمرًا غير معقول". في مقاربته الفلسفية للتنوير والتراصف والمقاومة، يراه كإحياء للفكر العربي الإسلامي عبر الهرمينوطيقا والفينومينولوجيا، لتحرير العقل العربي من الاستبداد الداخلي والسيطرة الخارجية. يدعو إلى تنوير عقلاني من خلال إصلاح التعليم، إنسانية الخطاب الديني، ودمج الفلسفة في المناهج لمكافحة التطرف. يقول: "نحن في عصر يسير نحو التنوير"، ويؤكد أن الفلاسفة العرب ساهموا مباشرة في تشكل التنوير الغربي، مقترحًا محاور مثل الترجمة والحوار لإنارة العقول المستقيلة. كما يرى د. الخويلدي التقدم كعملية علمية وتقنية ضرورية، لكنه ينتقد المادية الفجة ويدعو إلى "النظرية الحيوية" كأقرب إلى المعقول، مع التركيز على السببية لتحقيق التقدم التقني. يحذر من النظريات الجبرية التي تفترض إمكانية التنبؤ بالمستقبل، ويؤكد على الاحتمالية والنمذجة. في سياق العربي، يدعو إلى ثورة ثقافية جذرية عبر التفكير النقدي والعدالة الاجتماعية، لتحقيق تقدم روحي يتجاوز المادي. يقول: "إذا كانت العولمة قد ترجمت الفشل الذريع للتنوير الصناعي، فكيف يمكن تحويل التقدم المادي إلى تقدم روحي؟"، مشددًا على دور الفلسفة في إنقاذ القيم وتحرير الحياة. يُدافع د. الخويلدي عن الكونية كدرء للتعارض بين الكلي والخاص، معتبرًا الفلسفة "علمًا بالكلي" منذ أرسطو. يدعو إلى بناء خطاب فلسفي عربي كوني يعيد إحياء مساهمات ابن سينا والفارابي، مع ترجمة فلاسفة غربيين مثل كانط وروسو للحوار الحضاري. في مقاله "صدع فكرة الكونية في ظل تفجر الصراع بين أنماط الكلي"، يناقش التنوير بين الكونية والنسبية، محذرًا من تهديدات العولمة، ومؤكدًا أن "الإنسان هو كائن آدمي مزدوج، ينخره التمزق بين الوجود في ذاته والوجود لذاته". يرى في الكونية أداة للتعارف العادل والتضامن الإنساني، خاصة في مواجهة الهشاشة الإنسانية والأزمات البيئية، مع التركيز على الدين كعامل سواسية عالمي. في المجمل، يمثل د. زهير الخويلدي نموذجًا للفيلسوف الملتزم الذي يجمع بين النقد والأمل، مساهمًا في بناء جسر بين الشرق والغرب لتحقيق استنارة عربية حديثة.
في هذا الحوار التقييمي، يتم طرح أسئلة دقيقة مستمدة من التحولات الراهنة في المنطقة العربية خلال عام 2025، معتمدًا على تحليلات فلسفية وجيوسياسية. أصور إجابات د. زهير الخويلدي كإجابات موسعة ومسترسلة، مستوحاة من أسلوبه الفلسفي الذي يجمع بين النظرية والواقع، مع التركيز على مفاهيم مثل الثورة المعرفية، التوازنات العالمية، والتحديات الإيكولوجية. الحوار يربط التغييرات الجذرية بمواضيع أوسع مثل الثورة الرقمية، الإنسانية الخارقة، والذكاء الاصطناعي.
السؤال الأول: د. الخويلدي، كيف تفسرون التغييرات الجذرية في المنطقة العربية خلال 2025، مثل ما يحدث في سوريا والسودان واليمن والصومال وليبيا، والتحولات في لبنان وغزة، من منظور فلسفي جيوسياسي؟ هل تمثل هذه التغييرات نهاية لـ"الاستعمار" والاستبداد ودخولًا في عصر استنارة جديد؟
الإجابة:
أيها السائل، إن التغييرات الجذرية في المنطقة العربية خلال عام 2025 ليست مجرد حوادث تاريخية عفوية، بل هي تجليات لديالكتيك هيغلي يعبر عن صراع القوى الاجتماعية والجيوسياسية نحو تركيب جديد. أما في غزة، فإن اتفاق وقف الحرب بعد "حرب الـ12 يومًا" واستهداف قادة حماس في قطر يشير إلى إعادة رسم الحدود، مع دفع الفلسطينيين نحو الأردن وسيناء، مما يعيد تشكيل الخريطة الجيوسياسية. فلسفيًا، هذه التغييرات تذكرنا بأفلاطون في "الجمهورية"، حيث يخرج السجناء من المغارة إلى النور، لكن الألم الناتج عن التكيف يولد صراعًا جديدًا. الاستنارة هنا ليست كانطية بحتة – خروج من القصور العقلي – بل هي ثورة معرفية تغييرية، تتطلب إعادة بناء الهوية العربية بعيدًا عن الدوغمائية السياسية والاستعمارية. ومع ذلك، في ظل التوترات الإقليمية، قد تؤدي هذه التحولات إلى مزيد من الفوضى حيث تتنافس بعض القوى الدولية والمحاور الاقليمية التابعة على امتلاك التحكم والنفوذ في المنطقة العربية.
السؤال الثاني: في سياق الخريطة السياسية العالمية، كيف تؤثر هذه التغييرات العربية على توازنات القوى بين الولايات المتحدة، الصين، روسيا، وإيران؟ هل نرى تحولًا نحو نظام متعدد الأقطاب يعزز الإنسانية الخارقة؟
الإجابة:
التغييرات في المنطقة العربية ليست معزولة عن السياق العالمي؛ إنها جزء من إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية، حيث يتراجع الهيمنة الأمريكية تدريجيًا أمام صعود الصين وروسيا. في 2025، أدى ضعف إيران – مع أزمة اقتصادية حادة ووقف برنامجها النووي جزئيًا – إلى إعادة توازن القوى، مع توسع اتفاقيات إبراهيم لتشمل موريتانيا وعمان، مدعومًا من السعودية والإمارات لمواجهة الفراغ الإيراني. الولايات المتحدة، تحت إدارة ترامب الثانية، تعزز تحالفاتها مع إسرائيل والخليج، لكن الصين تكسب أرضًا من خلال استثماراتها في الطاقة والتكنولوجيا، كما في اتفاقها مع إيران. روسيا، بدورها، تحافظ على نفوذها في سوريا رغم السقوط، مستفيدة من الفوضى لتعزيز دورها كوسيط. هذا التوازن يشير إلى نظام متعدد الأقطاب، حيث تبرز "الإنسانية الخارقة" كمفهوم نيتشوي – الإنسان الذي يتجاوز حدود الطبيعة عبر التكنولوجيا. في المنطقة، يعكس ذلك رؤية 2030 السعودية، مع إصلاحات اجتماعية مثل تمكين المرأة وزيادة السياحة، تحولًا من الاقتصاد النفطي إلى المعرفي، لكن مع مخاطر الاستبداد الرقمي. الإنسانية الخارقة هنا ليست تحررية، بل قد تكون أداة للسيطرة، كما في استخدام الذكاء الاصطناعي لمراقبة الاحتجاجات في المغرب أو السعودية.
فلسفيًا، يتطلب هذا التوازن ثورة معرفية لتجاوز الاستعمار الجديد، حيث يصبح الإنسان العربي "خارقًا" عبر الابتكار لا التبعية.
السؤال الثالث: كيف تندمج الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي في هذه التغييرات، خاصة مع تنويع الاقتصادات الخليجية وتحديات الاستدامة الإيكولوجية؟
الإجابة:
الثورة الرقمية في 2025 هي محرك رئيسي للتغييرات الجذرية، حيث تحول المنطقة العربية من اقتصاد نفطي إلى رقمي، كما في نمو الإمارات والسعودية بنسبة 5.1% و4.6% على التوالي، مدفوعًا بالذكاء الاصطناعي والتنويع.
الذكاء الاصطناعي يعزز "الإنسانية الخارقة"، كما في استخدامه للكشف العلمي والروبوتات، لكنه يثير مخاوف من فقاعة استثمارية وفقدان وظائف. فلسفيًا، يذكرنا هيدغر بـ"التقنية كإطار"، حيث يحول الذكاء الاصطناعي الإنسان إلى مورد، خاصة في مواجهة التحديات الإيكولوجية مثل ذروة الانبعاثات وأزمات المياه في إيران والمغرب. في المنطقة، يتطلب التنويع استدامة، كما في المبادرة السعودية الخضراء، لكن الفجوات في التمويل تعمق التوترات بين الشمال والجنوب. الثورة الرقمية، إذن، هي سيف ذو حدين: تحرر معرفي أو سيطرة جديدة، يتطلب ثورة فلسفية لضمان أن تكون أداة للاستنارة لا الاستغلال.
السؤال الرابع: ما هي التحديات الإيكولوجية المعاصرة في المنطقة، وكيف ترتبط بتلك التغييرات الجذرية؟ هل يمكن للثورة المعرفية أن تواجهها؟
الإجابة:
التحديات الإيكولوجية في 2025، مثل الجفاف بسبب انحباس تساقط الامطار وتزايد مخاطر الشح المائي و ربما حدوث الفيضانات نتيجة التغيرات المناخية الكارثية واستخدام غير المدروس لتقنية الاستمطار، تتفاقم مع التغييرات السياسية، حيث يؤدي الصراعات في الدول العربية إلى استنزاف الموارد. في شمال أفريقيا، يعاني الساحل من "دوامة ايكولوجية" تزيد من المشاكل البيئية على غرار التلوث والاختناق والتصحر والانجراف مما يعيق امكانية الإصلاحات، بينما يدفع الاحترار الكوكبي إلى هجرة جماعية.
فلسفيًا، هذه التحديات تذكرنا بميرلو-بونتي في فينومينولوجيا الإدراك، حيث يلتقي الجسد بالعالم عمليًا، لكن الثورة المعرفية – كتغيير جذري في الوعي – يمكن أن تواجهها عبر الابتكار الرقمي، مثل إزالة الكربون في الخليج. ومع ذلك، بدون توازن اجتماعي، قد تؤدي إلى استعمار إيكولوجي جديد. الاستنارة الحقيقية تكمن في دمج الإنسانية الخارقة مع الاستدامة، لتحويل الظلام الإيكولوجي إلى نور معرفي.
ماهي قراءتكم المستقبلية في نهاية 2025 و بداية 2026 بين آفاق التحولات العالمية والإقليمية؟
الإجابة:
مع نهاية عام 2025، يبرز عام 2026 كعام انتقالي حاسم، يجمع بين فرص النمو الاقتصادي المعتدل والتحديات الجيوسياسية المتصاعدة، مدفوعًا بتسارع الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، وتصاعد الضغوط الإيكولوجية. هذه القراءة المستقبلية تستند إلى تحليلات خبراء اقتصاديين وجيوسياسيين حديثة، تتوقع نموًا عالميًا يتراوح بين 2.8% و3.2%، مع هبوط ناعم للاقتصادات المتقدمة، لكن مع مخاطر من التوترات التجارية والتغير المناخي. يبدو أن الاقتصاد العالمي يشهد نموا قويا مع مخاطر تجزئة ويتوقع خبراء مثل غولدمان ساكس ومورغان ستانلي نموًا عالميًا بنسبة 3.1-3.2% في 2026، مدعومًا بانخفاض التضخم وتخفيضات الفائدة من البنوك المركزية. الولايات المتحدة قد تشهد تسارعًا إلى 2.6% بفضل التحفيز المالي، بينما الصين تحافظ على 4.5-5% رغم أزمة العقارات. أما الأسواق الناشئة، فتتجاوز 4%. ومع ذلك، تشكل التعريفات الجمركية الأمريكية تحت إدارة ترامب الثانية خطرًا رئيسيًا، قد تؤدي إلى إعادة توجيه التجارة وتجزئة الاقتصاد العالمي. في المنطقة العربية، قد يستفيد الخليج من استقرار أسعار النفط، لكن التوترات الإقليمية تهدد الاستثمارات.
من الناحية الجيوسياسية يحدث تصعيد مخاطر مع فرص ديبلوماسية ويُتوقع عام 2026 عامًا من التوترات المتزايدة، خاصة في الشرق الأوسط، حيث قد يشهد يقظة في إيران أو تصعيدًا مع إسرائيل. الصراعات في غزة وسوريا ولبنان قد تستمر، مع ضغوط على الاستقرار في السودان واليمن بسبب المنافسة السعودية-الإماراتية. عالميًا، المنافسة الأمريكية-الصينية على التكنولوجيا والمعادن النادرة ستشتد، مع إمكانية قمة بين ترامب وشي جين بينغ حول تايوان. في أوروبا، الضغط على أوكرانيا مستمر، بينما يبرز كأس العالم الفيفا2026 (في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك) كحدث يعزز الوحدة الثقافية رغم التوترات. من هذا المنظور تتراوح الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي من التبشير إلى التقييم وسيكون 2026 عام "التقييم" للذكاء الاصطناعي، مع انتقال من النماذج الكبيرة إلى الوكلاء الاذكياء الذين يؤدون مهام معقدة بشكل مستقل. توسع خدمات الروبوتاكسي (مثل وايمو) وتكامل الذكاء الاصطناعي في الاكتشاف العلمي (فيزياء، كيمياء، بيولوجيا) متوقع، لكن مخاوف من فقاعة استثمارية وتأثير على الوظائف ستبرز. السيادة الرقمية ستكتسب زخمًا، مع دول تسعى للاستقلال عن الشركات الأمريكية الكبرى. أما التحديات الإيكولوجية فتحوم حول ذروة الانبعاثات مع مخاطر متزايدة ورغم توقع ذروة الانبعاثات العالمية، ستشتد الظواهر المتطرفة (موجات حر، جفاف، فيضانات)، مع تسريع استنزاف المياه الجوفية وفقدان التنوع البيولوجي. عام 2026 قد يشهد تقدمًا في إزالة الكربون والطاقة الحرارية الأرضية، لكن الفجوات في التمويل المناخي ستعمق التوترات بين الشمال والجنوب العالمي. في المنطقة العربية، أزمات المياه في إيران والمغرب العربي ستكون حادة. لذلك يعد عام الفرص المختلطة بالمخاطر بداية 2026 ستكون امتدادًا للتحولات الجذرية في 2025، مع نمو اقتصادي مرن لكن هش أمام الجيوسياسية والمناخ. الذكاء الاصطناعي والأحداث الرياضية الكبرى قد توفر دفعة إيجابية، لكن الاستقرار يعتمد على إدارة التوترات التجارية والإقليمية. في المنطقة العربية، فرص الإعمار غزة ممكنة إذا نجحت الديبلوماسية. عام يدعو إلى الحذر والتكيف السريع. فمتى تشرق الشمس على المنطقة العربية والاسلامية وتستفيق الشعوب من سباتها؟
كاتب فلسفي
حوار مع الكاتبة وفاء شهاب الدين
مصر
في عالمٍ يتعالى فيه الصخب وتبهت فيه الأصوات، تظل وفاء شهاب الدين واحدة من الأصوات القليلة التي تكتب بالوعي والوجدان معًا. صاحبة طوفان اللوتس وسيدة القمر وغواي ،سندريلا حافية ،تذكر دوما أنني أحبك ،رجال للحب فقط،أورجانزا،مهرة بلا فارس وتاج الجنيات ونصف خائنة، وغيرها من الأعمال التي حفرت لنفسها مكانًا خاصًا في الذاكرة الأدبية المعاصرة. في كتاباتها يمتزج الحلم بالواقع، والجرح بالرجاء، والأنثى بالحكمة القديمة التي تعرف طريقها إلى النور مهما اشتدّت الظلمة. في هذا الحوار، نقترب من عالم وفاء الإنساني والفكري، نحاورها عن الكتابة كخلاص، وعن الأدب كمرآةٍ للروح لا للمجتمع فقط. خمس عشرة محطة تضيء مسيرتها وتكشف سرّ هذا التوازن الجميل بين القوة والرقة في صوتها الإبداعي.
-كيف بدأتِ رحلتك مع الكلمة؟ وهل كانت البداية قدرًا أم اختيارًا؟
الكتابة جاءتني مثل الوحي لا الدعوة، مثل نداء من مكان لا أعرفه، لكنه يسكنني منذ الأزل. كنت طفلة تتهجّى الحروف على دفتر مدرسي، لكني كنت أكتب وكأنني أفرّ من شيء لا أقدر على تسميته. لم أكن أعي أن ما أفعله هو كتابة، كنت أظنّه محاولة للنجاة من الصمت.
ومع الوقت، أدركت أن الكلمة ليست حبرًا على ورق، بل طاقة حياة، وأننا حين نكتب، فإننا نعيد ترتيب فوضى أرواحنا. الكتابة لم تكن لي ترفًا ولا هواية، بل ضرورة تشبه التنفس، ومَن يحرم الكاتب من الكتابة كأنه يمنعه من الأوكسجين.
-من هم الكتّاب أو المفكرون الذين كان لهم الأثر الأكبر في تشكيل وعيك؟
تكويني الأدبي تشكّل من قراءات متناقضة ظاهريًا، لكنها التقت داخلي في نقطة واحدة: البحث عن الحقيقة.
تأثرت بالعقاد في منطقه، وبنجيب محفوظ في قدرته على الإمساك بروح المكان المصري دون أن يفقد عمقه الإنساني، وأحببت أحلام مستغانمي لأنها كتبت المرأة كما هي: قوية ومجروحة في آن. كما أجد في أدب جبران خليل جبران بُعدًا صوفيًا يلامس شيئًا خفيًا فيّ، وفي شعر درويش أتعلم كيف يكون الحزن جميلاً حين يُكتب بكرامة. كل كاتبٍ مرّ بحياتي ترك فيّ أثرًا ما، لكنّ الحياة نفسها كانت أعظم كتبي.
-هل أثّرت نشأتك في ريف كفر الشيخ على رؤيتك للحياة والأدب؟
جذوري الريفية كانت أول معلم لي في الصدق والبساطة. القرية علّمتني الإصغاء، ففيها كان الصمت أبلغ من الكلام، والحكاية تمرّ من فمٍ إلى آخر كأنها إرث مقدس.
رائحة الطين بعد المطر، نساء يغزلن الصبر في صمت، ورجال يحدّقون في النيل وكأنهم يستمعون إلى شيء لا يُقال… تلك المشاهد صارت جزءًا من تكويني، من لغتي، من طريقتي في فهم الناس.
ومن هناك تعلمت أن الجمال لا يحتاج إلى زينة، وأن عمق الإنسان يقاس بقدر ما يحمله من حنين.
-كل عمل من أعمالك يحمل بصمة فكرية وإنسانية. ما الهاجس الذي لا يفارقك أثناء الكتابة؟
هاجسي الدائم هو الإنسان…المرأة بالذات ، لا الإنسان المنتصر، بل المكسور الذي يحاول النهوض. أكتب لأتصالح مع جروحي وجروح الآخرين. في كل قصة أبحث عن منطقة الظل داخل النفس، تلك التي نحاول إخفاءها حتى عن أنفسنا. أحيانًا أشعر أن الكتابة هي طريقة الكون ليقول لنا: افهموا ما مررتم به كي لا تتكرر دوامة الألم. أكتب لأنني أؤمن أن الألم حين يُكتب يتحول من لعنة إلى وعي، ومن ضعف إلى بصيرة.
-كيف ترين علاقة الأدب بالمجتمع؟
الأدب مرآةٌ ناطقة للمجتمع، لكنه ليس مرآة جامدة. الكاتب الحقيقي لا ينقل الواقع فقط، بل يغيّره ببطء، يضع فيه فكرة كالنور تسري في العتمة.
أحيانًا أقول إن الأدب هو صوت من لا صوت لهم، وهو أيضًا ذاكرة الأمم حين تنسى نفسها.
لا أؤمن بالأدب المنعزل عن الواقع، ولا بذلك الذي يلهث خلف ضجيج اللحظة. الكاتب الحرّ هو من يحوّل الوجع العام إلى وعي جمعي.
-روايتك طوفان اللوتس لها مكانة خاصة في قلبك، لماذا؟
لأنها وُلدت من مخاضٍ طويل، كتبتها وأنا على حافة التحول. كنت أتحرر من نفسي القديمة، من خوفٍ ورثته، ومن صمتٍ طال. كل سطر فيها كان عودة إلى ذاتي. فيها ملامح نساءٍ كثر: من صمتن خوفًا، ومن قاومن وحدهن، ومن اخترن النجاة ولو بثمن الغربة.
طوفان اللوتس بالنسبة لي ليست رواية، بل ملحمة عظيمة. كتبتها لأتذكّر أن حتى اللوتس يخرج من الطين، ومع ذلك يزهر نقيًّا.
-تكتبين كثيرًا عن الصدمات والذنب والنجاة، هل هذه الموضوعات وليدة تجربة شخصية؟
في الماضي لم أكن بهذا الوعي كنت اكتب ما تمليه علي مشاعري كنت أتجاهل تجاربي الذاتية وأكتب من الخيال فقط حينما ازداد وعيي قررت أن أسجل تجارب طفولتي في مجموعة قصصية أعكف عليها بعد أن تعلمت ألا اخجل من تجاربي الشخصية فكل كاتب يكتب من جرحٍ يعرفه، وإن أنكره. أنا أؤمن أن الألم إذا لم يُكتب يظلّ يوجعنا في الخفاء. لذلك قررت أن أواجهه. في مجموعتي القصصية التي تتناول أثر الصدمات الطفولية، لم أكتب عن الألم كضحية، بل كشاهدةٍ على التحول. أردت أن أقول إننا لسنا ما حدث لنا، بل ما اخترنا أن نكون بعده.
-تنوعت كتاباتك بين الرواية والقصة والمقال. كيف تختارين الشكل الأدبي لكل فكرة؟
الفكرة هي التي تختار شكلها بنفسها. أحيانًا تطرق بابي كوميضٍ لا يحتمل الامتداد، فأعرف أنها قصة قصيرة.
وأحيانًا تكبر بصبرٍ كحلمٍ لا يريد أن ينتهي، فتصبح رواية.
أما المقال، فهو المسافة بين الفكر والإحساس، بين ما أراه في العالم وما أراه فيّ.
أنا فقط أستمع إلى الفكرة حين تأتي، وأتركها تقودني كما يقود النهر مجراه.
-هل ما زالت الكاتبة العربية تواجه تحديات في الوسط الثقافي؟
التحدي لم يعد خارجيًا فقط، بل داخلي أيضًا. المجتمع تغيّر، لكن نظرة البعض للكاتبة ما زالت عالقة في قوالب جاهزة.
غير أن المرأة اليوم تكتب لتُغيّر لا لتثبت نفسها. تكتب بوعيٍ جديد لا يعرف الخوف.
أنا أؤمن أن صوت الكاتبة الآن أقوى من أي وقت مضى، لأنه يخرج من التجربة لا من المظلومية.
- كيف ترين المشهد الثقافي في مصر والعالم العربي اليوم؟
المشهد متشابك. هناك أصوات مضيئة تُعيد الثقة بالكلمة، وهناك أيضًا زيفٌ يرتدي ثوب الأدب. لكنني متفائلة رغم كل شيء، لأن الحركة الفكرية تشبه المدّ والجزر، لا تموت بل تتنفس بصمت. ما زال في هذا الوطن من يكتب بدمه لا بحبره، وما زال القارئ الحقيقي يبحث عن المعنى وسط الزحام، وهذا وحده كافٍ ليجعل الأمل ممكنًا.
-لديكِ تجربة مميزة في تحرير السير الذاتية لعدد من الشخصيات، كيف تتعاملين مع هذا النوع من الكتابة الذي يتطلب أن تُعبّري عن حياة الآخرين دون أن تفقدي صوتك الإبداعي الخاص؟
تحرير السيرة الذاتية بالنسبة لي ليس مجرد تدوين لوقائع حياة شخصٍ ما، بل هو رحلة داخل أرواح الآخرين. أتعامل مع كل سيرة كأنها حكاية مقدسة، فيها سرّ إنساني يستحق أن يُروى بصدقٍ وجمال.
حين أكتب عن أحدهم، لا أكتفي بسرد ما حدث، بل أحاول أن أستعيد ما شعر به في اللحظة نفسها — تلك المنطقة التي لا تصلها الكاميرا ولا التواريخ.
هو عمل دقيق يحتاج إلى إنصاتٍ عميق، وإلى قدرٍ من التواضع أيضًا، لأنني أُسلم نفسي لصوتٍ آخر دون أن أذوب فيه.
ورغم أنني أكتب عنهم، إلا أن كل سيرة أحررها تترك فيّ أثرًا، كأن كل حياةٍ أرويها تمنحني جزءًا جديدًا من الفهم.
ربما لهذا السبب أحب هذا النوع من الكتابة؛ لأنه يعيدني في النهاية إلى جوهر الإنسان، إلى الحكاية الأولى التي نحملها جميعًا داخلنا.
-ما الفرق بين كتابة سيرتك الخاصة وكتابة سيرة الآخرين وكيف يختلف إحساسك حين تكتبين عن نفسك مقارنةً بكتابتك عن حياة الآخرين؟
الكتابة عن نفسي أكثر قسوة من الكتابة عن الآخرين. حين أكتب عن نفسي، أكون بلا أقنعة، بلا مسافة تحميني. أضع نفسي أمام مرآةٍ صادقة لا تعرف المجاملة.
أما حين أكتب عن غيري، فأنا شاهدة، لكن حين أكتب عني، أكون المتهمة والشاهدة معًا. في سيرة الآخرين أمارس الحنان، وفي سيرتي أمارس الشجاعة. الأولى تحتاج إنصاتًا، والثانية تحتاج مواجهة. لكن في الحالتين، أبحث عن الجوهر الإنساني، عن تلك اللحظة التي يتعرّى فيها القلب من كل الادعاءات، ويقول الحقيقة كما هي — دون خوفٍ أو زينة. أؤمن أن كل كتابة صادقة عن الذات، هي شكلٌ من أشكال التحرر، وأننا حين نروي حكايتنا بصدق، نمنح الآخرين إذنًا غير معلن ليصالحوا حكاياتهم أيضًا.
-كيف تتعاملين مع النقد؟
أتلقى النقد بوعيٍ لا بانفعال. أعرف أن بعضه يُبنى على قراءة حقيقية، وبعضه على انطباعٍ عابر. النقد الجادّ يضيف لي، أما السطحي فلا يجرحني. تعلمت أن أُصغي دون أن أفقد صوتي. أؤمن أن الكاتب الذي يخشى النقد يخشى الحقيقة، والكتابة بطبيعتها لا تحتمل الخوف.
-هل يمكن للكاتب أن ينضج دون ألم؟
لا، الألم هو معبر النضج، هو الذي يخلخل الغرور ويزرع فينا التواضع أمام الحياة.
الألم علّمني أن أكتب بحنانٍ لا بشكوى، أن أرى في الوجع معنى لا لعنة. أحيانًا أقول إن الله يختار الكُتّاب من بين الأكثر وجعًا، لأنهم الأقدر على حمل الحكايات.
-ما الذي تتمنينه للأدب العربي في السنوات القادمة؟
أتمنى أن يعود الأدب إلى عمقه الإنساني، أن يتخفف من الزخرف ومن اللهاث خلف الأضواء. أريد أن أرى نصوصًا تُنقذ الروح من فراغها، وتعيد للإنسان إيمانه بالجمال والمعنى. أن نكتب لنُشفى، لا لنُبهر.
-ما الرسالة التي تودين توجيهها إلى الجيل الجديد من الكتّاب والمبدعين؟
أن يكتبوا لأنهم لا يستطيعون الصمت. أن يثقوا بأن الكلمة حين تخرج من قلبٍ صادق تصل ولو بعد حين. أن يقرأوا كثيرًا، ويعيشوا أكثر، فالتجربة هي وقود الإبداع. أن يفهموا أن الكتابة ليست طريق المجد، بل طريق الاكتشاف، وأن أجمل ما في هذا الطريق هو ما نتعلمه عن أنفسنا لا عن العالم.
-بعد كل هذا المشوارالمكون من عشر روايات وقصص قصيرة وكتب للسيرة الذاتية ، من تكون وفاء شهاب الدين اليوم؟
امرأة تصالحت مع جراحها، وتعلمت أن ما يُكسر فينا لا يعيبنا، بل يفتح باب النور. كاتبة تؤمن أن دورها أن تُضيء لا أن تُدين، أن تحب لا أن تكره. أنا لست سوى تلميذة في مدرسة الحياة، أتعلم كل يوم أن الكلمة ليست غاية، بل وسيلة لأن أكون أكثر إنسانية، أكثر رحمة، وأكثر صدقًا مع نفسي ومع العالم.
ما آخر جملة كتبتيها؟
خاطرة صغيرة كتبتها منذ فترة "كنقطة في بحر العمر المائج التقيتك ، ابتسامة نقطة عطر أخيرة تسير نحو بداية الغواية ..إغماضة عين تنتشي بوصل عاشق ..عبق زهرة بيضاء تتحدى المطر ، لمسة الحرير لجسد يشتاق ،همسة الروح لقلب أتعبه الموات ، ..بريق حب يلوح خلف أمل بعيد ..مستحيل يحدث دون ان نصدق أنه يتكرر ..عيد يأتى بعد يأس وانتظار وانتظاروانتظار
أنت ..لمسة الدفء تتغشى قلب دفن لعمر تحت جليد الوجع ..نسيم يداعب خيال مل التخيل ..أنت ..قلبي"
د. أحمد البوقري: الولايات المتحدة لا يمكنها تجاوز دور السعودية في المنطقة
أحمد البوقري رجل اعمال سعودي معروف وعائلته باعمالهم التجارية على مستوى المملكة العربية السعودية، وخارجها ايضاً. إلا أن أحد افراد العائلة، وهو الدكتور أحمد، لم يكتف بعالم الاعمال، ومشاغله التي لا تنتهي. بل اشتهر ايضاّ بمواقف اثارت اهتماماً لدى الرأي العالم العريي والغربي، تتعلق بقضايا وطنية وقومية داخل المملكة وخارجها. تناولتها الصحف ووسائل التواصل بكثير من الاهتمام.
واليوم في ظل التطورات المصيرية التي تشهدها المنطقة، وزيارة الرئيس الاميركي للمملكة العربية السعودية، وبعض دول الخليج، والتي سيكون لها تأثيرها الكبير على مستوى الصراع في المنطقة. توجهنا إلى الدكتور البوقري ببعض الأسئلة حول هذا الملف، والتي اجاب عليها بصراحته المعهودة.
أجرى الحوار نبيل المقدم.
- كيف تقراء زيارة الرئيس الاميركي ترامب إلى المملكة العربية السعودية في ظل التطورات الأخيرة في المنطقة؟
ارتبطت السعودية والولايات المتحدة بمصالح مشتركة عديدة الاصعدة الاستراتيجية والعسكرية والامنية والسياسية والاقثصادية.واتسمت علاقتهما بالتناغم،على الرغم من وجود خلافات ابرزها، مايتعلق بالقضية الفلسطينية، وتداعياتها على المنطقة. وقد تمكنت الرياض وواشنطن رغم ذلك من ادارة ملفاتهما والتباين بينهما بدبلوماسية تجعلهما اقرب إلى التحالف والتوافق من الصراع والعداء. واليوم تأتي زيارة الرئيس الاميركي في هذا السياق. وقد نظرت الادارة الاميركية دائماً أإلى دور المملكة الفاعل والمؤثر في مجريات الجغرافيا السياسية الشرق اوسطية، وتعاملها مع الاحداث والتحولات، كعامل استقرار سياسي فيها، ولاعب رئيسي اساسي في الاستقرار الاقتصادي العالمي، وخاصة فيما يتعلق بالنفط. ودورها في منظمة اوبك.
- تأتي هذه الزيارة في ظل استمرار العدوان الاسرائيلي على غزة، والصمت الاميركي المريب، والذي يدل على تواطئ واضخ مع نتنياهو. برايكم ماهو تأثير كل هذا على موقف المملكة؟
صحيح أن توقيت الزيارة يأتي متزامناّ مع احداث كبرى في فلسطين وسوريا ولبنان، والتي لها تأثيرها الهائل على مجريات الصراع في المنطقة. ولكن بالرغم كل هذا. فأن موقف المملكة ثابت ولم يتغير، وخاصة في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية.
فالواضح حتى الان رفض تل ابيب السلام العادل،وعجز الادارة الاميركية عن فرض ارادتها عليها. صحيح أن السعودية تقدمت بمبادرة سلام في الشرق الاوسط عام 2002،ولكنها رفضت الضغوط الاميركية عليها لتطبيع علاقاتها مع اسرائيل.وتمسكت بقرارها الثابت، بضرورة حل القضية الفلسطينية ، وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة، وعاصمتها القدس الشريف. واليوم تجدد المملكة موقفها،وتصّر على ضرورة وقف العدوان على غزة. كما تجدد رفضها وادانتها لمشروع الاستيطان في القدس الشرقية، والذي تعتبره يشكل عائقاّ كبيراً امام السلام.
- هل انت متفائل بامكان تحقيق السلام مع اسرائيل؟
في البداية كانت اجزاء من فلسطين، ثم فلسطين كلها بما فيها القدس الشريف، ومعها مساحات من ارض مصر وسوريا، وبعد ذلك اتسع الاحتلال ليشمل نصف لبنان عام 1982، قبل أن يخرج مهزوماّ في عام 2000. واليوم بعد سقوط نظام الاسد، رأينا كيف اقدمت اسرائيل على احتلال مساحات كبيرة من الاراضي السورية، واعلنت انها ستبقى فيها إلى الابد.ولسنا ندري والتساؤل قائم، ماهي البقاع الاخرى من الارض العربية والاسلامية التي سلتتف عليها الافعى الصهيونية اذا بقي هذا الوضع والحال.ولعل حكماء صهيون لم يريدوا تكليفنا عناء الاستتناج والتفكير، حين رسموا حدود دولة اسرائيل الكبرى " ارضك ياسرائيل من الفرات إلى النيل "، وعلقوه شعاراً على مجلسهم التشريعي في القدس.
- برأيكم مالذي يدفع نتنياهو إليوم إلى المزيد من التعنت؟
إن نتنياهو يدرك اليوم إن النظام الدولي بعني اميركا. مع ذلك اقدم على تحديه، مستفيداً من تعاطف اللوبي اليهودي في اميركا مع اسرائيل، لتحقيق مشروعه القائم على تهجير الفلسطنيين إلى خارج عزة، والسيطرة عليها، والقضاء على المقاومة. ومن الملاحظ إنه في كل مرة تحقق المفاوضات الرامية إلى وقف اطلاق النار بعض التقدم ، يتمادى رئيس وزراء العدو في تعنته واجرامه ، ويتمادى اكثر في مشروع الابادة الجماعية للشعب الفلسطيني.
الروائي والقاص محمود شباط لـ حرمون: أدعو شاباتنا وشباننا إلى القراءة ثم القراءة ثم القراءة
*** لغتنا هويّتنا وهي أحد المقوّمات الأساسية للكيانات التي ترغب في البقاء على قيد الحياة....
***قصصي ورواياتي بمعظمها تدور حول سوء استغلال السلطة ونبذ الظلم والتعسف، إضافة إلى الإضاءة على البعدين الوطني والقومي....
***الخيالي Fiction والواقعي Nonfiction هما العربتان المدرعتان اللتان لهما "حق المرور" على كل صفحة إبداعية وتفرضان ذاتيهما على العمل الأدبي.
تقديم وحوار: هاني سليمان الحلبي
كان موعدنا الساعة 3 عصراً، وقصدتُ أن أمشي الطريق نفسها التي درجتُ عليها منذ كنتُ طفلاً تُمسك أمي بيدي، حين كانت شابّة بما يكفي، للصعود إلى عيحا سراً على الأقدام، في حجيج دأب عليه أهل القرى المجاورة، لإيفاء نذورهم لـ”مولاي بهاء الدين”، ومعظم الطريق تكون حافية، لتبري ذمتها كناذرة نحو منذور، فيكون الحساب صفراً بالوصول إلى المقام في بلدة عيحا العريقة، الضاربة جذورها في أقداس التاريخ والهوية لآلاف السنين الخالية.
الشمس لطيفة ناعمة. أشعتها تغمر الطبيعة بحبور وتغسل الأشياء بالضوء. وعلى جانبي الطريق عاتيات الزيزفون وقد جارت عليها أيدي المارة والزائرين، لقطف زهور العطر فينتزعون الشجرة من أكواعها أو من أكتافها. لكنها ما زالت تستصرخ بلدية راشيا بأنامل الرعاية والتقليم الفني لتقوى وتفوح عبر الأجيال مجدداً. هي الأشجار نفسها التي كانت عندما نقطف منها الزهور خلال رحلتنا تضحك لنا وتكاد ترقص طرباً لنقل عبيرها إلى العيون قبل الأنوف.
الموعدُ مع صديق عتيّ، صديق أسرتي، صديق أخوتي، ومن ثم صديقي منذ سنوات عشر تقريباً. لطيف العشرة، محبّب الروح، دمث الأسلوب، مبتكر الطُّرَف والدعابة الكاسحة لجليد القلوب.
هو الروائي والقاص اللبناني محمود حسين شباط.
وكلّما يمرّ اسمه في ذاكرتي تلمع مأثورة المتنبي “على قدر أهل العزم تأتي العزائم”، وكأن المتنبي تنبأ بأنه في مقبلات الأيام سيكون في هذا الدور من الزمان محمود شباط وستحلّ به بعد جهاد مضنٍّ ونعيم العطاء، عزائم قاسية وصروف وامتحانات وابتلاءات ربّانية عتية لتفحص قلبه وروحه ويقينه، فتجد عنده إيجاب المؤمنين، متيقناً بالعدل، معتصماً بالرضا، مستقوياً برحمة الله، فـ”لا يصيبكم إلا ما كتب الله لكم”. وأشد ما يحزّ في قلبه ويحفر في روحه الصابرين رحيل ابنه البكر المرحوم أياد، الذي انتُشل جثة من بحيرة القرعون منذ تشرين الاول 2023، وانتشرت شائعة انتحاره، ما ولّد ردة فعل التزاماً بالعرف الديني والاجتماعي مع المنتحرين، بمنع الصلاة على جثمان الفقيد. ولم يحصل تدبّر للأمر ولا تحقق في حينه لإنصافه.. ولكن لم يفت حقه علينا جميعاً كمربٍّ وندعو لإنصافه في الذكرى السنوية الأولى لرحيله.
عبر أعمدة حكمته السبعة بإصدارت سبعة بين القصة والرواية، استحقّ محمود عضويّة اتحاد الكتاب اللبنانيين، منذ سنوات. فأرادت منصة حرمون أن يطلّ مجدداً على قرائه ومتابعيها، ليعتصر أكسير خبرته وتجربته للشباب، فكان هذا الحوار..
1 – الروائي والقاص محمود شباط غنيّ عن التعريف. ممكن إخبار متابعينا عن جديدك؟
كلّ الشكر والتقدير لمنصة حرمون على اللفتة الكريمة الحالية، وتلك التي سبقتها، على أثر مروري بما قدره الله عليّ من اختبارات مؤلمة صعبة تتالت تباعاً ضمن فترات قصيرة، أحالت ظروفي العصيبة إلى قيود وأغلال تحول دون الكتابة وحتى القراءة.
2 – ما أبرز ما تتذكّره من مخزون الطفولة والنشأة؟
وُلِدتُ في قرية عيحا، قضاء راشيا في لبنان، حيث تعود بي الذاكرة لصور غامضة حين كنتُ في الثالثة، ثم انتقلنا إلى راشيا في خريف عام 1955. كتبتُ عن عيحا وراشيا ما استطعت تذكّره عنهما في منتصف خمسينيات القرن الماضي وبداية الستينيات، وذلك متوفر على صفحتي على الفايسبوك لمن يرغب في الاطلاع على تلك المذكرات، أو الذكريات.
3 – حبذا لو تعرّف المتابعين إلى كتبك في القصة والرواية؟
لَديَّ سبعة كتب، ثلاث مجموعات قصصية: أيّهما أمي، ولو بعد حين، وعلى صهوة حلم أبيض. وأربع روايات: رجوع النورس إلى عيون سنبل، عذراء قصر الشيخ، أرملة محترمة جداً، ورجال العميد.
مضامين بعض تلك القصص والروايات تدور حول سوء استغلال السلطة ونبذ الظلم والتعسف، إضافة إلى الإضاءة على البعدين الوطني والقومي.
4 – ما هو مفهوم بطل القصة أو الرواية في نصك؟
للبطولةِ وقع محبّب رائع في النفس وفي السمع، وفي كلتيهما تكاد تشاهد صور الشهامة والشجاعة والصدق والأمانة.
5 – كيف تنتقي موضوعك؟
لكلِّ موضوع أنتقيه أمتطي صهوة خيالي أولاً كي أختار الزمان والمكان والفكرة، ولكل منها مواضيع فرعيّة، هي التي تنتقي دروبها وبداياتها ومضامينها ونهاياتها.
جَدْلُ الخيال والواقع
6 – غلبت البيئة المحلية والمعيشة في محيطك على نصوصك. هل هي حقيقيّة أو بعضها منسوج من الخيال؟
الخيالي Fiction والواقعي Nonfiction هما العربتان المدرعتان اللتان لهما “حق المرور” على كل صفحة إبداعية، تفرضان ذاتيهما على العمل الأدبي، رواية كان أو قصة أو شعراً، وهذا ما التزمتُ به في قصصي وفي رواياتي.
وأزعم بأن هذه الآلية يمكن إسقاطها على السير الذاتية والمذكرات الشخصية أحياناً.
7 – كيف ترى واقع الكاتب والمبدع في لبنان؟ وما يجب القيام به لتحسينه؟
واقعُ الكُـتَّاب الحالي تحديداً لا يشي بالخير والطمأنينة، حزين، مزرٍ، وبائس، فلا دخل ثابت ومضمون ولا ضمانات اجتماعية ولا تقاعد.
8 – كيف تقيم التفاعل الفكري والاجتماعي مع إنتاجك؟
لَو كان في لغتنا تعبير “نصف خيبة أمل” للجأت إلى إسقاطه على خيبة أملي بمدى هزالة التفاعل الفكري والإجتماعي، ليس فقط مع إنتاجي، بل مع الإنتاج الأدبي بشكل عام، والكتاب الورقي بشكل خاص.
9 – هل ندمت على بعض ما كتبت؟ ولو توفّرت الظروف لطبعة ثانية هل تعدل؟
قرأتُ في مقدمة كتاب لأحد عمالقة الرواية والأدب العالمي، قد يكون همنغواي أو تولستوي أو مَن هو في وزنهما. يقول بأنه أرسل بمسودة أحد كتبه إلى المطبعة خمسين مرة وفي كل مرة يرجع الكتاب فيها كان يجد فيه ما يجب تعديله أو إضافته أو حذفه. فإذا كان هذا هو الحال مع العمالقة فكيف تتوقع الحال مع مَن هم مثلي.
مأساة أياد تستوجب الإنصاف
10 – فقدت أحباء من أسرتك. أبرزهم ربما ابنك البكر المرحوم أياد. وربما لحقه ظلم إضافي أضاف لأوجاعك وجعاً؟ بماذا تعلّق؟
للفقدان رنين موجع، دقت أجراسه جدران القلب مراراً وتكراراً، أشدّها إيلاماً رحيل إبني البكر أياد، عريس بهيّ دون عروس في ريعان شبابه. كُـتِـبَت عليه الإصابة باللوكيميا (سرطان الدم) ونجا منه بعد علاج لمدة عام ونصف العام. ولكن الموت لم يمهله فأفل نجمه الجميل بعد أشهر قليلة من تسلمنا تقرير المستشفى الذي بشّرنا بتعافيه من المرض الخبيث، تاركاً في قلبي ندبة سوف تبقى مطبوعة على شغاف قلبي ما حييت.
نَدبةٌ أخرى يتأجّج جمرها في كياني هو رحيله يوم جنازته دون صلاة جنازة كما يتوجّب، اعتماداً من البعض على ما سمعوه بأن ابني أقدم على الانتحار، لم ينتظروا ما يثبت ذلك أو عكسه.
أحد المستندات الحكوميّة الرسميّة كوثيقة الوفاة لم يرد فيها إي ذكر للانتحار، وهي متوفرة لدى الدوائر الرسمية، ولدي الأصل وصور عنها لمن يهمه الأمر.
لَكَمْ تمنيتُ أن يتمّ التحقق مع ما أشيع عن انتحار ابني أياد قبل التعامل معه كمسلمة غير قابلة للمراجعة والنقاش، وهنا يحضرني هذا الشعر الذي نظمته منذ سنوات عن هذا الموضوع، ودعوت فيه إلى الصدق في إخبار الخبر، وفي التروي في نقله على عواهنه، لأن في ذلك أمانة ثقيلة ومسؤولية كبرى تجاه الضمير والعباد وتجاه رب العباد:
كم حادثٍ في اليوم ينقله الورى
ينتاب نقله سوء النقل بالنقل
دع عنك ما ينحاز من كيد الهوى
واتبع بعقلك ما ينحاز للعقل.
أحياناً تقودني فرضيّات تجعلني أتساءل: لو كان في نية ابني المرحوم المظلوم الإقدام على الانتحار، لكان أقدم عليه حين أخبره الطبيب المعالج بأنه مصاب بالسرطان، يومها قال أياد كلمته التي نقلها لي أشقاؤه: “ونعمي بالله .. اللي حطّ المرض بيشيلو”، أو خلال مراحل العلاج وأوجاعها التي استمرت لعام ونصف العام، ذاق المرّ خلالها ولم ينتحر، حرم من كثير من الفاكهة والحلويات والمشروبات الغازية ومن كثير من الأطعمة لمدة عام ونصف ولم ينتحر، حُرم من الاختلاط والجلوس معنا ولم ينتحر. تساءلت: ولماذا ينتحر بعد أن شفي من المرض تماماً وحصلنا على تقرير من المستشفى يثبت الشفاء وأرسلناه إلى الشركة التي كان المرحوم المظلوم على وشك السفر للعمل لديها، وعلى أساسه قبلته السفارة السعودية وشركة التأمين التي تتعامل معها الشركة.
فلنفترض بأن المرحوم المظلوم قرّر الانتحار وأقدم عليه، ألم يكن أسهل عليه أن يأخذ حبة زائدة من أدويته تؤدي به إلى الوفاة وهو نائم بدل أن يرمي بنفسه على الصخر ويلاقي ما لا تتحمّله النفس البشرية من آلام؟
غصّتي المزدوجة المتمثلة بخسارتي له وبعدم حصوله على الرحمة الدينية حدا بي لرثائه بهذه الرباعيّة:
ألا أياد قد أدميت قلبي
بفقد حين قاربت الرحيلا
وديعاً مؤمناً حراً عفيفاً
رشفت داءك صبراً جميلا.
وأكملت رثاء مهجة قلبي بشعر حرّ قبل أن أعلم ماعرفته من حقائق بعدها:
ليتك أخبرتني يا فلذتي
كنه المواجع
ليتك أشعرتني “لستُ براجع”
ليتك شاركتني حالِكَ السر الخطير
ليتني أدركت ما يؤلمك تحت الرماد
قبل أن تستعجل سرج الجياد
تاركاً دنيا الوجود
دون عرس.. دون إكليل ورود
وإلى أن ألقاك يا ولدي
سوف يبقى كاوياً في كبدي
حرقة الغفو الأخير.
والدك المشتاق جداً.
ألا تنصُّ معظم قوانين الدول، إن لم تكن كلها بأن “المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته”. وهذا ما لم يحصل. ولم يظهر في وثيقة الوفاة.
طبقاً لما ورد من كلام مرجعٍ سامٍ من مراجع طائفة الموحدين الدروز في كتيّب صادر عن مقام مكتب مشيخة العقل يقول بأن “الرحمة الدينيّة طلب وسؤال” ، بما معناه بأنها التماس من رب العباد جُـلَّ وعلا، “وهو الأقدر على التمييز بين الطيب والخبيث” ولا أحد أقدر منه سبحانه وتعالى.
ما عَوّضني عن وجعي الجسيم بعدم النطق برحمة إبني هو ما يلي:
الحضور الكثيف يوم غَصَّ الموقف بالمشيّعين ما اضطر العديد من أهل القرية إلى الوقوف خارج الموقف إفساحاً في المجالِ لآخرين من المشاركين من خارج البلدة للجلوس في داخل الموقف. وفي ذلك رحمة. كما كان حضور المعزين في اليومين الثاني والثالث معتبراً ويكاد يشغل نصف مساحة الموقف. واستمرينا في استقبال المعزين في المنزل لمدة تقارب الشهر.
انتشال الجثة من المياه قبل تشغيل التوربينات بثوانٍ. كما قيل لي، وكذلك في هذا رحمة.
تبيان عدم أثر لانتحار المرحوم المظلوم في شهادة الوفاة، حيث يظهر فراغ في البند رقم 18-أ الذي يقول: “أذكر مخصصا هل هناك حادث انتحار أم قتل” حيث الفراغ الذي لا يمكن تفسيره إلا بالنفي لكونه لم يؤكد الإيجاب.
بعد رحيله الموجع لبثت أمرُّ على غرفة نومه، أتلمس طريقي عبر دموعي إلى سريره، أنضده وأتحسس كتبه وثيابه وأغسلهم بعبرات الأب الفاقد الموجوع، أرى العصافير التي كانت تأتي بينما هو يقرأ كتاباً تحت العريشة على سطح البئر، أخالها تتساءل عن ذلك الهادئ العاقل المسالم اللطيف، لا أقوى على الوقوف بينما أنا أبكيه، بل أبكي نفسي، أرثيه بما يتيسر لي من الشعر العامي:
يا مهجتي
يا خيار وجه الخير
يا حرقتي ع يوم ودّعتك
كل يوم عم بيطل هاك الطير
يتفقدك …
يوقف على الشباك
يبكي على الربّاك
يكرج على كتابك
وعدروس طلابك
يسوّي بجناحو فرشتك
يحلمس على ثيابك
العصفور قَـلِّـي حب يقشعني
وعن سبب بعدك
حبّ يسمعني
دندن لحالي “ريت شيّعني”
من قبل ما عالقبر شيّعتك.
كنت أتمنى على من يعنيهم الأمر أن يغلّبوا نهج المودة والرحمة، والإمساك الطيّب بنصية درر الدين التي تميّز بين النور والظلمة.
11– ما علاقتك بالتقنيّة وكيف وظّفتها؟
إن كان المقصود عن علاقتي بالتقنية هو علاقتي بالحاسب الألي، فتلك تعود إلى العام 1984 حين أدخلت الشركة التي كنت أعمل لديها في المملكة العربية السعودية نظام الكومبيوتر إلى قسمَي شؤون الموظفين والمحاسبة.
من البديهي القول إني استفدتُ كثيراً من الكومبيوتر في كتاباتي سواء بالعربية أو الإنكليزية، ولاحقاً من المحيط اللامحدود من معلومات غوغل.
12 – هل ترى معارض الكتب وحفلات التوقيع مساعِدة بترويج الكتاب؟
شاركتُ في السعودية بمعرض الكتاب في مدينة الرياض منذ سنوات. ولم تسنح لي فرص المشاركة في معارض في لبنان بسبب السفر، إلا بعد عودتي من المملكة مؤخراً حيث شاركت في معرض المهرجان اللبناني للكتاب الذي تنظمه الحركة الثقافية في أنطلياس، وكانت النتيجة إيجابية وواعدة بحمد الله.
لا دعم ولا اهتمام
13 – هل ترى واقع وزارة الثقافة واتحاد الكتّاب داعماً للكتاب والمؤلفين؟ كيف؟
لم ألمس أيّ دعم أو اهتمام من الجهتين، باستثناء قبول اتحاد الكتاب اللبنانيين لعضويتي في الاتحاد.
14 – ماذا تقول للناشئة والطلاب المقبلين إلى القلم والحبر والكتاب؟
أدعو شاباتنا وشباننا إلى القراءة ثم القراءة ثم القراءة، سيما عبر الكتاب الورقي أو أي وسيلة ورقية أخرى. إذ فيها يكمن سر اكتساب وتخزين المعلومات والمتعة والتسلية وقتل الوقت إيجابياً. وفيها لا يتأثر بصرهم ولا يحتاجون لبطارية ولا لكهرباء. كما أناشدهم أن يكتبوا ما يخطر لهم، أو حتى محاولة الكتابة في أضعف الإيمان، لعل وعسى. إذ لطالما كانت الدرجة الأولى على السلم هي أهم الدرجات.
كما أودّ تذكيرهم بأن لغتنا هي هويّتنا، ويستحسن سبكها بحروف لغة الضاد وليس بالحرف اللاتيني، وبأنها أحد المقومات الأساسية للكيانات التي ترغب في البقاء على قيد الحياة، كي يبقى ناسها على قيد الحياة بما للحياة من عمق المعنى.
سيميائيات الحياة من مُحايثة النص إلى عالم التجربة
أجرى الحوار محمد نجيم
راكم الباحث الناقد المغربي والأستاذ الجامعي د. محمد الداهي مؤلفات تحوم في مجملها حول السيميائيات الذاتية التي تعنى بانطباع الآثار الذاتية في الخطاب، وبمواقع المتلفظ والسارد في الأدب الشخصي (أنواع الكتابة عن الذات)، وبالمشاريع السيميائية والصُّوريَّات التي تُعنى بتمثيلات الذات ناظرة ومنظورا إليها. صدر له مؤخرا كتاب جديد عن المركز الثقافي للكتاب في 400 صفحة ( حياة المعنى التدبير السيميائي لمعنى الحياة)؛ ولذا ارتأيت أن أجري معه الحوار الآتي لأخذ فكرة مجملة عنه.
من مؤلفاته الصادرة مؤخرا : السارد وتوأم الروح ( من التمثيل إلى الاصطناع)، متعة الإخفاق (المشروع التخييلي لعبد الله العروي)، سلطة التلفظ في الخطاب الروائي العربي، من أرشيف محمد زفزاف.
1- يبدو لي عنوان الكتاب ملغزا. ما دلالة هذا اللغز؟
يقدم الكتاب تصورا سيميائيا عن المعنى من حيث حياته (حياة المعنى) ومشروعه ومآله (معنى الحياة). قد يبدو العنوان تلاعبا لفظيا بقلب مواقع اللفظ في سياقين مختلفين، لكن صياغته على هذا النحو تقتضي معالجة المعاني المختلفة والمتضاربة التي يحفل به الكون، ونصادفها أينما حللنا وارتحلنا، وتفعم حياتنا بأريج المشاعر والأحاسيس، كما تحتم علينا أن نختار زاوية من الزوايا المتعددة لتبئير وجهة نظرنا على حيز أومجال محدد باعتماد المقاربة المناسبة ( السيميائيات على سبيل المثال).
2- بُني الكتابُ على تدبير المعنى بصفته حياة ومشروعا للحياة؟ أليس كذلك؟
سعيت إلى إبراز راهنيَّة الموضوع وجِدِّته بالنظر إلى امتداد المعنى وانتشاره في جميع الأنساق و الدعامات الدلالية (المعمار، الإشهار، اللباس، الطعام..)، وملازمته الوجود في مختلف مظاهره وتجلياته أكانت ذات الصلة بالغلاف الإحيائي (الحيز الذي توجد فيه الحياة، وتتقاسمه الكائنات الحية) أو بالغلاف السيميائي(حيز التعدد اللغوي والثقافي، ما يميز الإنسان بصفته حيوانا ناطقا). والحال هكذا، ارتأيت أن أعالجه من المنظورين الآتيين، وهما:
أ- باحتكاك الإنسان بالعلامات يوميا يعطي لحياته معنى، ويحرص على تدبير هذا المعنى لتحسين علاقاته بالكائنات الحية والموجودات، وتحقيق أهدافه، وتفادي ما يُكدِّرُ ويُنغِّصُ عيشَه. لا يخلو" تدبير المعنى" من توتر وصراع بسبب تضارب المصالح والنزاعات الترابية والمحلية. وفي هذا الصدد، حرصت السيميائيات على مقاربة المعنى من زوايا متعددة لإبراز تحركات الإنسان وأعماله (سيميائيات العمل)، وأهوائه ومشاعره (سيميائيات الأهواء)، وقيمه ( السيميائيات الأكسيولوجية)، وبيان علاقاته بالموجودات (سيميائيات الأشياء)، وبمَسْرحة الحياة والشعائر الاجتماعية ( السيميائيات الثقافية)، وبالممارسات اليومية (سيميائيات أشكال الحياة). وهذا ما حرصت على تحليله بطريقة تركيبية ونسقية حتى يأخذ القارئ العربي فكرة مجملة عن المشاريع السيميائية التي مافتئت محافظة على سمتها وراهنيتها وجديتها. وهذا ما ينطبق على فهم كينونة الإنسان المعقدة في تساوق مع سعيه إلى تدبير شؤونه اليومية، ومشاريعه المستقبلية، وتكريس تشبثه بأهداب الحياة.
ب- ما يحرص عليه الإنسان باحتكاكه يوميا بالكائنات الحية والأشياء هو الرقي بالمعنى من الحالة العابرة والمبتذلة إلى الحالة المستديمة والجدية. وهو ما يحفزه على البحث عن المعنى، ويقتضي منه حسن تدبيره حتى لا تكون له عواقب غير محمودة. ومن ثم، ركز السيميائيون على هوى "الإصرار" بصفته شكلا من أشكال الحياة للمضي قدما إلى الأمام أيا كانت الظروف والعوائق. الإصرار شكل من أشكال الحياة الذي يستدعي- علاوة على المؤهلات الذهنية والجِهيَّة واللغوية- طاقة نفسية جبارة. أستحضر- في هذا الصدد- شكلين من أشكال الحياة أضحيا شائعين في المجال الرياضي.وهما: "الكرينتا" Grinta (لفظ إيطالي يعنى به المثابرة والعزيمة)، و"الريمنتادا" (Remontada) ( لفظ إسباني يعنى به التعافي والعودة القوية). يحقق الفريق الرياضي بفضلهما النصر المنشود والنتيجة المرضية دون أن يتأثر بضعف أدائه أو تلقيه هدفا مباغتا في بداية المباراة. وهو ما يتجسد أيضا في إصرار الإنسان على تحدي المصاعب والعراقيل، وتحمل المشقة والعناء سعيا إلى تحقيق أهدافه.
3- بتصفح الفهرس نعاين أنك عالجت " حياة المعنى" بطريقة تركيبية ملما بالمرجعية السيميائية كما نهجتها " مدرسة باريس" لرائها ألجيرداس جوليان كريماص وأتباعه؟
أشكرك على هذه الملاحظة الذكية. أحرص في كتاباتي بصفتي باحثا أن أتفادى المقاربة المدرسية التي تراهن على تذليل المعارف العالمة وتقديمها في حلة مبسطة وميسرة للقارئ. لا أنفي دور هذه المقاربة التي لها أهميتها وملاءمتها للمساهمة في تثقيف القراء وإرشادهم إلى المعارف المناسبة. أحرص في كتاباتي على معالجة إشكال يستأثر باهتمامي بالنظر إلى تخصصي. سعيت في هذا الكتاب إلى إبراز كيف عالج السيميائيون المعنى من مختلف الوجهات والتصورات أكانت عَمليَّة أم استهوائية أم تلفظية أم ظاهراتية أو أكسيولوجية، ثم التموضع بصفتي في الضفة المقابلة ضمن السيميائيات الذاتية (Sémiotique Subjectale) التي اتخذتُها موئلا ومصدرا لتناول مظاهر التلفظ وتجليات الذاتيَّة في الثقافة العربية، وخاصة في متغيرات السيرة الذاتية (ما أصطلح عليه بسرديات البرزخ).
كل كتاب يفرض علي طريقة لمعالجة محتوياته بالنظر إلى طبيعة القارئ الذي أتوجه إليه. أعرف مسبقا أن السيميائيات هي علمٌ له مُصطلحيَّته ولغته الواصفة ومنهجيته ورواده، وهو ما يحتم علي أن أتوجه إلى جمهور محدد يتمتع بالخلفيات المعرفية المناسبة. ومع ذلك حرصت في الكتاب على المسعييْن التواصلي (مخاطبة جمهور أوسع من القراء) والذاتي ( تبني "نقد النقد" بتعبير تزفيتان تودوروف لتقدير جهد باحثين وكتاب سيميائيين تعلمت منهم، واهتديت بهم في مساري الفكري).
4- بدا لي - بتصفح الكتاب- أنك راهنت على القارئ المطلع أو القارئ النموذجي بتعبير إمبرتو إيكو. ما الهدف الذي توخيته من وراء ذلك؟
كل كتاب يفرض- كما قلت- على صاحبه أسلوبا معينا بحسب طبيعة الجمهور المستهدف من جهة، وبالنظر إلى الموضوع المعالج من جهة ثانية. أتاح لي الكتابان الأخيران ( السارد وتوأم الروح ، ثم متعة الإخفاق) هامشا من الحرية لتطويع النظرية حتى تغدو ميسرة ومنقادة لدى القراء على اختلاف مستوياتهم ومشاربهم. كل قارئ قد يجد فيه ما يناسبه بحسب مؤهلاته وخلفياته. لكن الأمر يختلف في الكتاب الأخير الذي صدر مؤخرا ( حياة المعنى)؛ إذ طبيعة الموضوع حتمت علي مخاطبة فئة من القراء سواء من لهم تكوين سيميائي أم هم في عداد الساعين إلى تعرُّف المجال السيميائي الرحب والتخصص فيه. علاوة على ذلك فالمجال السيميائي هو علم له قواعد وضوابط ولغة واصفة، وهو ما يقتضي من أي قارئ أو باحث - قبل الخوض فيه- أن يكون ملما بالمجال، ومطلعا على خباياه وتطلعاته.
حرصت- بالحفاظ على اللغة السيميائية الواصفة- على تقديم تصور شامل للقارئ العربي عن المشاريع السيميائية التي اضطلعت بها " مدرسة باريس للسيميائيات" ( العمل، والأهواء، والأشياء، والثقافة، والكلام)، وبيان الطفرات التي حققتها بالانتقال من المراهنة على القواعد السردية (الخوارزميات السردية الكونية) إلى مواكبة أشكال حياة الإنسان وأساليبه في العيش ( سيميائيات المعيش)، وإبراز إشعاعها الكوني بعد أن استوعبت جغرافيات سيميائية جديدة ( بما فيها السيميائيات العربية)، واستقطبت اهتمامات متعددة في ربوع المعمورة.
ومع ذلك ما فتئ القراء العرب يجدون مصاعب في فهم الكتب السيميائية بحكم مصطلحيَّتها ومرجعيَّتها ومقصديَّتها، وأحيانا قد يختلط عليهم الحابل والنابل بتطاول أشخاص على المجال وتقحُّمه دون دراية. وفي هذا الصدد يتحتم على السيميائيات الانفتاح على ثقافة الآخر بحثا عن تلاقح الأفكار، وتعاضد الرؤى، وتكامل وجهات النظر، وتعزيز سبل العيش المشترك. و هي – في ذلك -تؤدي دورا أساسيا في إعطاء المعنى لحياتنا بمساءلة وجودنا، وتدبير خلافاتنا وصراعاتنا، واقتراح بدائل جديدة للعيش وللسلم المستديم.
ولا بد في الأخير من التمييز بين النقد الانطباعي الذي يصدر أحكاما باعتماد الذوق والتأثير وبين النقد الرصين الذي يستند إلى أدوات ومفاهيم وفرضيات علمية. ومع ذلك يستحسن أن ننزل النقد من عليائه أو برجه العاجي حتى يسهم في إثارة النقاش العمومي، و في تنوير الرأي العام بقضايا تهم عموما الوضع البشري. وفي هذا السياق، تندرج مؤلفاتي بالحرص على المواءمة بين الذاتي والموضوعي، بين الجامعة والمحيط، بين المركز والضاحية، بين الفرد والجماعة. وعليه لا بد للنقد من الانخراط في الحياة العامة عوض التقوقع والانقطاع عن شواغل الناس وأهوائهم وتطلعاتهم.
إقرأ أيضاً
-
حاورته: إسراء عبوشي الدكتور حسام رمضان كاتب فلسطيني مواليد عام 1990م، من نابلس مقيم في ألمانيا وهو خريج آداب إنجليزي من جامعة النجاح الوطنية...
-
بيروت\غفران حداد ـ خيرة مباركي فنانة تشكيلية وناقدة وشاعرة تونسية -جزائرية "من أب جزائري وأم تونسية "أستاذة في اللغة وال...
-
أجرى اللقاء : حاتم جوعيه مُقدِّمَة ٌ وتعريف: الفنانة ُالمعروفة ُ والمُخضرمة " فريال خازن - خشيبون " ، وُلِدَت في مدي...
-
أجرى اللقاء : رانية مرجية - ( لصحيفة الأيام الجزائريّة ) ثمة كتاب نقرأهم ... وثمة آخرون نقرأ من خلالهم العالم . ...
-
بيروت ̷ غفران حداد ـ الفنانة سنا طالب غالي نشأت في عائلة فنية وأدبية، تأثرت منذ الصغر بالموسيقى والأغاني والشعر، غنت شارة عدة أعمال كا...
-
( أجرى اللقاء : الإعلاميَّة إجلال عطية محمد العاقب - مدينة الخرطوم - دولة السودان ) مقدمة وتعريف : ( البطاقة الشَّخصيَّة ) :...
-
أجرى اللقاء شربل بعيني بعد أن أصبحت مجلة "لقاء" التابعة لموقع الغربة الالكتروني، محط أحاديث كبار الادباء والشعراء والفنانين ...
-
( أجرى اللقاء : الشاعر والإعلامي الدكتور حاتم جوعيه - المغار - الجليل – فلسطين ) - أجريَ هذا اللقاء المطول معه قبل وفاته رحمهُ الله - و...
-
( لقاء مطول لموقع الحوار المتمدن ) أجرى اللقاء: الكاتب والإعلامي : عطا درغام - مصر - المحور الأول: تقاطعات الهوية الإبداعية (...
-
- أجرى اللقاء : الدكتور حاتم جوعيه - المغار - الجليل – فلسطين - ( ملاحظة ؛: لفد أجريَ هذا اللقاء قبل وفاة الفنان والموسيقي المبدع خالد ال...

.png)





