لقاءٌ مع الشاعر والناقد والإعلامي الفلسطيني الكبير الدكتور حاتم جوعيه
أجرى اللقاء : رانية مرجية -
( لصحيفة الأيام الجزائريّة )
ثمة كتاب نقرأهم ... وثمة آخرون نقرأ من خلالهم العالم . ومع الدكتور حاتم جوعيه ، نحن أمام تجربة من الصنف الثاني، تجربة لا تكتفي بكتابة النص، بل تعيد مساءلة المعنى نفسه لماذا نكتب، ولمن، وماذا يتبقى من الكلمة حين يهدأ كلُّ شيء.
ولد في الجليل الفلسطيني، من أرض لا تُغادر الذاكرة ، فحملها معه لا كجغرافيا فحسب ، بل كوعي متيقظ ، وجرح مفتوح وأسئلة لا تنتهي ، لم يكن انخراطه في الكتابةِ ترفا ثقافيًّا بل ضرورة وجوديَّة، فالكلمةُ عنده ليست زينة لغويَّة، بل موقف، وليست تعبيرا عابرا ـبل مواجهة دائمة مع الذات والعالم.
جمع بين الشعر والنقد والإعلام، لكن ما يجمع هذه المسارات ليس التعدّد بقدر ما هو الرؤية: رؤية تصرُّ على أن المثقف الحقيقي لا يقف على هامش الأسئلة، بل في قلبها، لذلك، ظلَّ حضورهُ خارج الاصطفاف السهل، بعيدا عن المجاملة، قريبا من القلق الخلاق يصنعُ نصًّا حيًّا لا يشيخ.
في زمن تتآكلُ فيه المعاني تحت وطأة السرعةِ، بقي حاتم جوعيه وفيا للبطءِ العميق للكتابةِ التي تفكر قبل أن تقول، وتشعر قبل ان تُعلن .. لم يَسعَ إلى الظهور، بل إلى الأثر، ولم يكتب ليرضي، بل ليقلق.. لان القلق، في جوهرِهِ بدابةُ كلِّ وعي .
في هذا الحوار الخاص مع " الأيام الجزائريَّة"، لا نطاردُ إجابات جاهزة ، بل نغامر بأسئلة تلامسُ تخومَ التجربة، وتفتح نوافذ على ما لا يقال .. لأن بعضَ الكتاب لا يحاورون ..بل يُقترب منهم بحذر ، كما نقترب من فكرة تُغيّرُنا.
- نبذة عن الشاعر والناقد والإعلامي الدكتور حاتم جوعيه –
*وُلِدَ الشاعر والكاتب والاديب والناقد والإعلامي الفلسطيني الكبير الدكتور حاتم جوعيه في مدينة المغار - منطقة الجليل - شمال فلسطين.
* أكمل تعليمة للمرحلة الابتدائية والثانوية في مدينة المغار، وبعدها تابع دراسة العليا في أكثر من كليَّة وجامعة، وقد درس عدة مواضيع وحصل على عدة شهادات أكاديميَّة في المواضيع التي درسها .
*حاصل على شهادة الدبلوم في الصحافة والإعلام من المعهد الأمريكي في مدينة الناصرة .
*حاصل على شهادة معلم ومرشد مؤهل في الموسيقى والتربية والفنون من المعهد العالي للفنون – مدينة الناصرة.
*درس موضوع الرياضة والكاراتيه وحاصل على شهادة الحزام الأسود في الكاراتيه من معهد فوناكوشي للكاراتيه والفنون الرياضية – الناصرة.
*درس موضوع الفلسفة وعلم النفس واللاهوت وفلسفة الديانات في الاكاديميّة العالمية لعلم النفس والفلسفة واللاهوت – فرع القدس- ووصل إلى مرحلة الماجستير ( m.a) .
*درس موضوع اللغة العربية وآدابها بالمراسلة في كلية العلوم الإنسانيَّة – أمريكا - ووصل إلى مرحلة الماجستير ( m.a ) .
*درس موضوع الطب الصيني وطب الأعشاب الطبيعي وحاصل على شهادة الدكتوراة في الطب الصيني وطب الأعشاب الطبيعي من كلية " زنبار" - تل أبيب .
عمل في عدة مجالات ، وخاصة في مجال الصحافة والإعلام وفي عدة جرائد ومجلات محلية ووسائل إعلام خارج البلاد.
أصدر العديد من الدواوين الشعرية والكتب الأدبية ، ولديه كمٌّ كبير من الرصيد الأدبي ( شعرا ونثرا ) لم يطبع ويرَ النور بعد .
*سؤال1 ) حين تصبحُ الكتابةُ شكلا من أشكال المصير ..هل تبقى مساحةٌ للاختيار.. أم أننا تكتبُ بقدر ما تكتب ؟
- جواب – الكتابةُ دائما للإنسان الذي يحملُ رسالةً ساميةً ومقدسة هي شكل من أشكال المصير، ومن أجلِ الوجود والبقاء وصنع وخلق عالم أجمل يشعُّ بالبهاءِ والنقاء، وينعم بالحبِّ والوئام والأمن والسلام ...وطبعا سيكون أحيانا مساحةٌ أو فرصةٌ للاختيار والانتقاء حسب الظرف والوضع.. ويستطيعُ الإنسانُ المبدع والملتزم وطنيًّا وإنسانيًّا وسياسيًّا أن يختارَ وينتقي مواضيعَ وقضايا أخرى لها أهميتها وقيمتها الإنسانية والفكرية أيضا غير موضوعهِ الأساسي وقضيّته الأساسيّة المُثلى والعادلة والمقدسة التي يدافعُ عنها ويُكرِّسُ كلَّ طاقاته وإمكانياته وحياته ونضاله وكتاباته وإبداعه من أجلها.. وهي التي تبقى دائما في سلم الأوليات ، وهي المصير والكيان والحلم والامل والهواء الذي يتنفّسهُ.
* سؤال 2 ) هل وُلٍِدَ الشاعرُ فيكَ من جرح مبكّر أم من دهشة أولى لم تفارقك ؟
- جواب – الشعرُ ولد فيَّ منذ الصغر. الشعرُ موهبةٌ ربانيّةٌ خُلقت معي. بدأتُ أكتبُ وأنظمُ الشعرَ وأنا صغير جدا وفي مرحلة دراستي الابتدائية وأنا دون سن العاشرة . ولقد مررتُ بتحارب وظروف عديدة بعضها صعب ومرير، والبعض مفرح نوعا ما. إنَّ سِجلُّ وسيناريو حياتي مليء بالكثير من الأمور والتجارب والذكريات، ولكن الألم والمرارة كان الأكثر .ولم أذق وأعانق جرحا واحدا مبكرا فقط في حياتي، بل واكبتُ وعانقتُ وعاركتُ جراحا وآلاما كثيرة لا تحصى في حياتي وبداية مشواري. وكان لهذه الجراح والآلام والنوائب والرزايا على أنواعها والتجارب التي مررُت بها دور كبير في صقلِ وبلورة وتطور وتفجُّر موهبتي وطاقاتي الشعرية. إنَّ التجاربَ والجراح التي واجهتها في حياتي عديدة ومتنوعة، منها: الذاتية والوجدانية والسياسية والعاطفية وغيرها . ولكنني استطعتُ بقوتي وإرادتي وثباتي وعزيمتي وإيماني العظيم بالرب خالقي جلت قدرتهُ أن اتصدى وأتحدى جميعَ الصعاب والعراقيل التي مررتُ بها وأنتصر عليها، وأبقى منتصبَ القامة مرفوع الهامة شامخا كالطود الأشم في وجه الرياح والأعاصير العاتية .
لقد كانت هنالك محاولاتٌ عديدةٌ وخسيسة وجبانة من جهاتٍ وفئات وأطر ووسائل إعلام محليَّة صفراء مأجورة وعميلة لعرقلة مسيرتي الأدبية والثقافيَّة، وللتعتيمِ على شعري وأدبي الوطني والإنساني الراقي والملتزم كي لا يرى النور ويصلَ إلى الناس والمجتمع وللعالم بأسره.. ولكن جميع هذه المحاولات الجبانة والمأجورة والخسيسة قد باءت بالفشل، وحققتُ أنا شهرة واسعة ومذهلة في وقت قصير: محليا وعربيا وعالميًّا . لقد رفضتُ وما زلتُ أرفضُ سياسة التطبيع والأسرلة التي مشى وخاصَ فيها معظُم الشعراء والكتاب المحليِّين.. ورفضتُ التقديم لجائزة التفرُّغ السلطويَّة.. ورفضتُ المشاركة في كلِّ نشاط أوعمل أدبيٍّ وثقافي مشبوهٍ ومأجور وعميل ومعاد لقضايا شعبنا الفلسطيني. وقاطعتُ جميعَ المنديات والمؤسسات والجمعيَّات المذدنبة والمأجورة العميلة التي تدَّعي خدمة الأدب والثقافة، وهي في حقيقتها تعملُ على تدمير ووأدِ الثقافة والادب والإبداع المحلي، وخاصة الإبداع والفن الذي يحملُ الطابعَ الوطني والإنساني ..وما زلت مقاطعا ولم أقدم أبدا لجائزة التفرُّغ السلطويةِ المُشينة التي يتهافتُ عليها معظم الكُتَّاب والشعراء المحليين. وقد حصل عليها العديدُ من الذين يدعون الوطنية كذبا وبهتانا، وهم الآن غائصون إلى رؤوسهم في مستنقع التطبيع الآسن.
وبعد رحيلِ الشعراء الوطنيِّين الكبار العمالقة الملتزمين – شعراء المقاومة الأشاوس - الذين صنعوا التاريخ وكانوا الطليعة والمنارة لشعبهم المكلوم، بقيتُ أنا وحدي الآن في أتون ومعمعان النضال والتصدَّي، وفي طليعة الشعراء المحليين المناضلين والوطنيين، بالإضافة إلى بضعةِ شعراء وكتَّاب غيري ملتزمين وثابتين في مواقفهم السياسية والإنسانية، يرفضون الأسرلة والتطبيع كليًّا، ولا يشاركون مثلي في النشاطات والفعاليات والأمسيات والمهرجانات الثقافية المشبوهة والعميلة التي يديرُها أذناب السلطة والعملاء من قبل منتديات وجمعيات وأطر ساقطة وخسيسة وعميلة.. ولم يقدِّمُوا إطلاقا لجائزة التفرع السلطوية .
*سؤال 3 ) كيف تُعيدُ تعريفَ الوطن حين يتحوَّلُ من مكان إلى ذاكرة ومن حضور إلى سؤال؟
- جواب – الوطنُ يبقى الوطن في جميع الأحولِ والظروف لكلِّ شخص يعرفُ قيمة الوطن وقداسته... للشخص المقيم وما زال مقيما في وطنه .. وللذي سافر وتغرَّب وابتعد عن وطنهِ لأسباب عديدة... مثلا : لأجل العلم والدراسة أو من أجل العمل وتحسين الوضع الاقتصادي والعيش الكريم عندما تضيقُ السُّبلُ وتُغلقُ جميعُ أبواب المعيشةِ في أرض الوطن ..أو للشخص الذي هجُّرَ عن وطنه عنوة. الوطنُ في جميع المفاهيم هو: مسقطُ الرأسِ والكيان والوجود والانتماء والهوية. وهو الحياةُ والماء والهواء والنبضُ...هو الجمالُ والسحر والبهاءُ والضياءُ والإبداع وكلُّ شيء .
وقد تختلفُ الأحاسيُس والمشاعرُ بين الإنسان الذي يسكنُ على تراب وطنه بين الذي يسكنُ خارج الوطن. فالشخصُ الذي يعيشُ خارج الوطن دائما يشعرُ بحنان وشوق كبير تجاه الوطن، وبحزن وحسرة أحيانا لأنَّ الغربة صعبة جدا.. وقد يرى الوطنَ بمنظارهِ الوجداني والعقلي أجمل وأحلى من الشخص الذي ما زال مقيما في وطنه. وأما الذين شُرِّدُوا عنوة عن وطنهم ولهم عقود يعيشون خارج الوطن كالشعب الفلسطيني الذي يعيش في الشتات وخارج وطنه مُرغما بعد عام النكبة ( 1948 ) فالوطن محفور وموجود دائما عنده في الذاكرةِ والوجدان بالتأكيد، ولن يغيب عن ضميره ووجدانه.. الوطن هو ليس مكانا ملموسا لديه، ولكنه لا ولن يغيب عن باله لحظة واحدة ، وحنينه وشوقه إليه عارما وقاتلا ، وحبُّهُ وعشقه لوطنهِ أكثر بكثير من الشخص المقيم في الوطن ولم يُهجَّرْ ويترك البلاد .
*سؤال 4 ) هل الكتابةُ لديكَ هي محاولةٌ للنجاةِ .. أم شكل آخر من أشكال المواجهة؟
- جواب 4 – الكتابةُ هي قضاءٌ وقدر وموهبةٌ رباَّنيّة منحني إياها الخالقُ – جلت قدرته.. وأنا نمّيتُها وصقلتها بالتجارب ومن خلال معاركة الحياة وبالدراسة والعلم والثقافة.. إلخ . والكتابةُ عندي ليست للنجاةِ أو للهروب من واقع معين.. بل هي لمواجهةِ الحياة وتناقضاتها .. للمواجهة وللتصدي لكلِّ شيءٍ سلبي ولكلِّ قوى الشرِّ والظلام.. ومن أجلِ بناء غدِ أفضل وأجمل يعمُّهُ السلمُ والإخاءُ والمحبةُ والأمان وتتحققُ في العدالةُ الإنسانيَّة المطلقة.
*سؤال 5 ) ما الذي تخشاهُ أكثر: أن تصمت...أم أن لا يسمع ما تقول؟
- جواب - الذي أحشاهُ أنا وطبعا كلُّ شاعر وكاتبٍ وفنان مثلي ملتزم ومبدئي هو أن يصمتَ ويتوقفَ كليًا عن الكتابةِ والعطاء والإبداء . فهذا يعتبرُ جبنا وانهزاما وهروبا من معركة النضال والتَّصدِّي لقوى الشرِّ والظلام، ولأجل نصرة الحق على الباطل والخير على الشر. فالصمتُ هو انتحارٌ في الحياة وبقاء الساحة والأجواء مفتوحة لأعداءِ الحياة وأعداء الضمير والإنسانية يرتعون ويمرحون على أهوائِهم ويعيثون الفسادَ وينشرون الخرابَ في كلِّ مكان.. ولا يوجد من يتصدَّى لهم حتى لو كلاميا وعن طريق الشعر والأدب والفنِّ، وليس عن طريق السلاح والعمل العسكري .
أما الجزء الثاني من السؤال: أن لا يسمع أحدٌ ما أقولُ وأكتب فهذا أسوأ وأصعب بكثير لي ولكلِّ كاتب وأديب وشاعر وطني ملتزم حرٍّ وشريفٍ من الصمت كليا والتوقف عن الكتابة.. حتى إذا لم يسمعْنا ويصغِ إلينا أحد فيكفي أننا قلنا كلمة لا على الملإ وأرحنا ضميرَنا ووجداننا. وسيأتي يومٌ عاجلا او أجلا ينتصرُ فيه الحقُّ على الباطل وسيسمعُ كلُّ الكون ما كنا نكتبهُ ونسطرهُ ونقولهُ. وسيردِّدُ كلُّ الكون، وأقصد الشرفاء والأحرار وأصحاب الضمير أناشيدَ كفاحِنا وجراحنا النازفة التي سُكبتْ لأجلِ شعبنا ولأجل كلِّ مظلوم ومضطهد على هذه الأرض .
*سؤال 6 ) كيفَ تحمي نصَّكَ من السقوطِ في البلاغة الفارغة دون أن تفقدَهُ جماله.
- جواب 6 – سؤال جميل. إنَّ الشاعرَ والكاتبَ المبدع يعرفُ جيدا كيف يتعاملُ مع الكلمة والحرف وكيف يُرتِّبُ وينظمُ وينسج أبجديته ولغته الإبداعية .الكاتبُ الحقيقي الموهوبُ والقدير والمُميَّز والتاريخي ( هنالك الكثير من النقاد لا يعرفون التمييز بين الكاتب الكبير المبدع وبين الكاتب الكبير المبدع والتاريخي ) له قاموس واسع جدا وحافل بالمفرداتِ والتعابير والصور الجمالية والمعاني والمواضيع والأفكار الجديدة والاستعارات البلاغية الحديثة غير المستهلكة والبالية التي عفا عليها الزمنُ .
كلُّ كاتب وأديب قدير وذكي ومبدع لا يسقط أبدا في البلاغة الفارغة وفي فوضى وعبثيَّةِ رصِّ الكلام الفارغ والخالي من الفحوى والمضمون الجوهري المفيد. وأنا أتحدثُ عن نفسي أيضا.. فأنا أعرف جيدا كيف أعملُ توازنا صحيحا وأجمع بين البلاغةِ الجميلةِ الساحرة والمشعة التي تأسرُ الألبابُ وتُبهرُ العقول َوالنفوس والمترعة بالتجديد والابتكارات التي لم يستعملها أحد قبلي بعد.. وبين المواضيع والافكار والشطحات الجديدة الراقية.. أعرف كيف أستعملُ مفردات ومرادفات جديدة في اللغة.. وفي نفس الوقت أركزُ على المعاني والمواضيع العميقة وأرسم بقلمي وريشتي الإبداعية اللوحات والصور الشعرية الجديدة التي تواكبُ روح التجديد وتتناغم مع المَدِّ الثقافي والإبداعي العصري .
*سؤال 7 ) هل يكتبُ الكاتبُ ليُفهم .. أم ليقولَ ما لا يمكنُ فهمهُ كاملا؟؟
جواب - هذا السؤال يذكرني بسؤال سأله أحدُ الأشخاص لأبي تمام : ( لماذا تقولُ ما لا يُفهم؟؟ !!).. فأجابهُ أبو تمام :( لماذا لا تفهم ما يُقال ؟؟) .
طبعا الشاعر والكاتب الحقيقي والمبدع والمميز والذي يحملُ رسالة سامية ومقدسة لشعبة وللإنسانيَّةِ وللبشرية جمعاء، وفي مفهومهِ ومُنطلقهِ الآيديلوجي الكتابة عنده ليست ترفا وترفيها وتسلية، أو من أجل الشهرةِ والمكسب والبزنس وليصبح مشهورا، فهو يكتب لكي يفهمه جميعُ الناس حتى البسطاء من شعبه وغير المتعلمين والمثقفين.. لأنه يكتبُ أولا وقبل كلِّ شيء لهم ولقضاياهم المصيرية ولغدهم ومستقبلهم المشرق . ولكن ليس له ذنب إذا لم تُفهَمْ جميعُ كتاباته لمستواها الراقي - لغويا وفكريا موضوعيَّا وبلاغيا وإبداعا وحداثة. أما أولئك الذين يلجؤون إلى الغموض والإبهام والطلاسم التي تشبهُ سجعَ الكهان في العصور القديمة (على حدِّ قول بعض النقاد في العالم العربي) ذلك لسببين : لانهم أخفقوا في كتابة الشعر الحقيقي الإبداعي الموزون والمقفَّى والمفهوم فكتبوا الشعرَ والادب المبهم والهُراءات والتفاهات والخزعبلات ليخفوا عيوبهم وعجزهم الفنِّي والإبداعي. وبهذه الطريقة الذكيَّة لا يفهم أحدٌ ما الذي يكتبونه ويخربشونه وماذا يريدون بالضبط.. وممكن أن تُفسَّرَ كتاباتهم وهراؤهم وتخبيصاتهم مليون تفسير، وسيجدون حظهم من قبل بعض النويقدين غير الموضوعين وغير القديرين والضليعين في مجال النقد والمستكتبين والمأجورين والعملاء وسينعتونهم بأفضل وأحسن الصفات، وأنهم مبدعون وعمالقة ومجددون في مسيرة الشعر والأدب العربي الحديث .. وللأسف هنالك عدة أشخاص تنطبُق عليهم هذه المواصفات في العصر الحديث وحققوا شعرا وانتشارا واسعا : محليًَّا وعربيًّا ولا حاجة لذكر أسمائهم، وقد أخذوا شهرة كبيرة لا يستحقونها.
*سؤال 8 ) في زمن السرعةِ :هل ما زالَ للبطءِ الإبداعي قيمة.. أم أنه أصبحَ طرفًا ؟؟
- جواب 8 - إن عصرَ السرعة والبزنس قد غيَّرَ الكثيرَ من المفاهيمَ والاشياء في شتى المجالات، وخاصة في مجال الفن والغناء والشعر والادب ومعظم الناس اليوم يفضلون الأغنية القصيرة والقصيدة القصيرة أيضا لانهم مشغولون بأعمالهم وبالتزاماتهم وبمتاعب الحياة . ولكن ما زال هنالك قسمٌ وجزء من الناس المتذوقين للإبداع الادبي والفنِّي، وعندهم طول الأناةِ والنَّفَس الطويل فمستعدون ان يستمعوا بإصغاء وشغف للأغنية الطويلة الجميلة أو للقصيدة الطويلة ( المعلقة ) الإبداعية والجميلة والمميزة .
وأقوال: ما زال للبطءِ الإبداعي قيمة. والإبداع الحقيقي (ومكن أن نسميه البطء الإبداعي ) هو في كل زمان ومكان يبقى إبداعا وإنجازا خالدا تتناقله وتتداولهُ الأجيال والعصور.
والأغنيةُ الجميلة والقصيدةُ الجميلة والراقية والمُميَّزة تفرض نفسها على الجميع.. حتى على الذين لا يحبون الشعرَ والفنَّ، وسيستمعون إليها بتَمعُّنٍ واهتمام وإن لم يفهوا كلَّ معانيها ومفاتن جماليّتها وأهدافها وأبعادها .
*سؤال 9) هل الشاعرُ شاهدٌ على عصرهِ ...أم ناقدٌ لهُ ..أم ضحيّةٌ من ضحاياه.؟
- جواب 9 – هنالك البعضُ من الشعراء ممكن أن يضمَّوا ويحووا هذه الأشياء والعناصر المذكورة ..طبعا ليس الجميع لأنه ليس جميعهم متشابهين في منطلقهم وتوجُّههم الفكري، وفي قدراتهم وطاقاتهم الإبداعيّة . وقد نجدُ شعراء، وخاصة عندنا محليا إبداعهم ضحلا وهابطا، ولا يمتلكون أيَّةَ ميزةٍ من العناصر والأشياء المذكورة لأنهم لا يحملون أيةَ رسالة سامية في كتاباتهم . فكتاباتهم جميعها مصطنعة ومستهلكة. .
سؤال 10 ) ماذا يعني ان تكون مثقّفا حين تختزلُ الثقافةُ من الاستهلاك؟؟
- جواب 10 – هي ان نحافظ على مستوى الثقافة الإبداعية في شتى المجالات الكتابية والثقافية .. ولا يكون هنالك اجترار وهذيان.. وأن نكتب المختصر المفيد والقيم والجميل، ولا نطيل في الكتابة ومن دون جدوى .
*سؤال 11) هل تؤمنُ أنَّ الكلمةَ قادرةٌ على التغيير .. أم انها تكفي بكشف العطب ؟؟
- جواب 11 – الوضعُ اليوم في عصرِ السرعة التيكنيليوجيا يختلفُ هما كان عليه قبل عقود وقبل قرون من الزمن. وقد كان للكلمةِ وللشعر والأدب دور وتأثيرٌ كبير وهام وخطير أهم وأشمل بكثير مما عليه الآن . وكانت الكلمة والقصيدة قادرةً على التأثير والتغير في فترة زمنية قصيرة نسبيًّا.. وأما اليوم في عصر الذرَّةِ فقد الشعرُ والأدب كثيرا من دوره وأهميتهِ وتأثيره، ولكن لم ينتهي دوره كليًّا.. بل ما زال قائما وله تأثير وأصداء ، ولكن هذا التأثير قد يأخذ وقتا طويلا ليعملَ بشكل ملموسٍ. والكلمة سواء كانت شعرا أو أدبا على أنواعه فهي تكشفُ العطبَ وتوضِّحُ الصورة وتضعُ الإصبعَ على مكان الجرح والألم، وتدخلُ الوعيَ السياسي والاجتماعي والوطني إلى النفوس والضمائر وتجمعُ وَتُوحِّدُ صفوفها وتهيِّئها للمستقبل القريب على التمرُّد والثورة ضدَّ الظلم والاستبداد وضدَّ كل شيءٍ سلبيٍّ وغير صحيح وسليم في المجتمع، ومن أجل التغير وصنع وبناء مجتمع أفضل وغد اجمل .
*سؤال 12 ) كيف تتعاملُ مع المسافةِ بين ما ترغبُ في قولهِ .. وما تفرضهُ عليكَ الكتابةُ ؟؟
- جواب – الكتابةُ عندي موهبة ربانية وهبني إياها الخالقُ وفي نفس الوقت هي رسالةٌ مقدسة بالنسبة لي . وأنا اكتب بما أؤمنُ به وما يخرجُ من أعماق قلبي ووجداني. فالكتابة هي كالوحي تنطلقُ وتنبثق من روحي وكياني بشكل تلقائي ودونما استئذان.. فالقصيدةُ أو المقالة هي التي تأتي من تلقاء نفسها وبشكل عفوي ولست انا الذي أسعى وأركضُ خلفها وأجهدُ نفسي للوصولِ إليها .. فأشعاري وكتاباتي جميعها تحملُ رسالةً سامية وليس لي أو لشعبي فقط وعلى نطاق محدود.. بل للعالم كله وللبشرية جمعاء . ولهذا أنا مبدعٌ ومَُميّزٌ في كلِّ ما أكتبهُ وأسطرهُ . ولهذا نحن نرى أن معظمَ الشعراء والكتاب المحليين (عندنا في الداخل) كتاباتهم دون المستوى للمطلوب ، لأنهُ تنقصهُم الموهبةُ الفطريَّة الربانية...عدا عدم مقدرتهم اللغوية والثقافية . ويريدون أن يكونوا شعراءً وكتَّابا بالقوةِ وبأيِّ شكل كان . وباختصار شديد : الكتابةُ لا تفرض نفسها علي، بل فكري وأحاسيسي ووجداني هم الذين يكتبون ويبدعون ويفرضون نفسهم على محراب الأدب والثقافةِ والإبداع.
*سؤال 13 ) هل الكتابةُ خلاصٌ.. أم عبءٌ جميلٌ لا يمكنُ الإفلاتُ منهُ ؟؟
- جواب – الكتابةُ ليست عبئا ثقيلا، بل قد تكونُ حملا ممتعا وجميلا ولذيذا في أغلب الأحيان .. وقد تكون خلاصا أو ارتياحا عندما الإنسان يُعبِّرُ بالضبط عما يحسُّهُ ويشعرُ به، ويُخرجُ ما كان مخزونا في ودانه ولواعجة من مشاعر وشحنات آن لها أن تخرج وتُحرِّك وتغير أشياء كثيرة في هذا الوجود والعالم ..
*سؤال 14 ) ما الذي يبقى عالقا في داخلِكَ.. ولا تستطيعُ اللغةُ أن تحملهُ؟
- جواب – مهما الكاتب والشاعر كان عظيما ومتألقا في أدبه وإبداعه لا يستطيعُ أن يستغلَّ جميعَ طاقاته وقدراته وأمكانياته الإبداعية وعبقريته المميزة والفذّة مئة بالمئة التي وهبَهُ إيَّاها الخالق جلت قدرتهُ . وأتذكر هنا قولا للشاعر التركي العالمي الملتزم " ناظم حكمت " الذي كتب أروع القصائد الشعريّة الخالدة : ( لم أكتب بعد القصيدة التي أريدها .
وانا حسب رأيي المتواضع وقد كتبت كما كبيرا من القصائد الشعرية ولي رصيد كبير من الأعمال الأدبية - شعرا ونثرا . فأنا لم أستغلُّ أكثر من 60 بالمئة من طاقاتي الإبداعية كتابيا... مع أن معظم أو جميع الشعراء الكبار والمبدعين استغلوا طاقاتهم وقدراتهم أكثر من 99 بالمئة واستنزفوا كل محزونهم الإبداعي وجميع قدراتهم، ومنهم من أفلسَ وأمحلَ كتابيًّا بعد سنوات طويلة من الإبداع المتواصل ولم يبقَ عنده، في جعلتهِ، ما يقوله ويكتبهُ . وانا ما زال عندي الكثير مما يتماوجُ ويشعُّ في داخلي وفكري ووجداني وكياني لم أخرجْهُ وأطلقهُ بعد .. ولا تستطيع أجمل الكلمات التي أختارها وأنتقيها وأطلقها أن تُجسَّدَ كل شيء، وأن تعكسَ جميع أفكاري ومشاعري وكلَّ ما بداخلي ووجداني ولواعجي الذاتيّة، وأن تعبِّرَ عما أحسِّهُ وأريد أن أقوله بالضبط .. لقد كتبت الكثير وقلت الكثير.. ولكنني لم أقل بعد كلَّ شيء .
*سؤال 15)هل الشعرُ طريقٌ إلى الحقيقةِ.. أم إعادةُ صياغة لها ؟؟
- جواب – الشعر قد يضمُّ ويحوي كلَّ شيء. وهو بالفعل مسعى وانطلاق إلى الحقيقةِ ولكشفِ كلّ ما هو مجهول ولحل الطلاسم والشيفرات السريَّة وللوصول إلى الحقيقة المطلقة، ولتحقيق الأمل والحلم المنشود والعدالة المطلقة. وممكن أن يكون محاولة لإعادةِ وترتيب أمور وقضايا عديدة لم تكن ثابتة وواضحة ومتبلورة كما يجب .
*سؤال 16 ) متى يشعرُ الكاتبُ انهُ خانَ نصَّهُ ؟؟
جواب 16 – حين لا يلتزمُ بما كتبهُ وسطّرهُ : أخلاقيًّا ومبدئيًّا ، ويفعلُ ويتصرفُ في حياتهِ وسلوكيَّاته عكس ما كان يكتبُهُ ويدَّعيه ..أو أنه لا يحافظ على مستوى ما يكتبهُ ويهبط إلى أسفل بعد أن كان في مستوى لا بأس به .. طبعا هذا الكلام ينطبقُ على الكاتب الحقيقي الذي عنده نوع من الإبداع وعنده قيمٌ ومبادئ وأخلاق سامية والكتابة عنده رسالة.. وليس على الشويعرين والمستكتبين الذين يكتبون للشهرةِ وللبزنس وللمصالح والمآرب الشخصية الضيِّقة الوضيعة، ولا يوجدُ عندهم أي نوع من الإبداع ... كالسواد الأعظم من الشويعرين والمستكتبين والنُّويقدين الموجودين عندنا في الداخل والذين لا توجدُ لهم أيَّة علاقة أو صلة تربطهم بالإبداع، وبينهم وبين الادب الحقيقي والثقافة والإبداع مليون سنة ضوئيَّة، وخاصة أولئك الذين نراهم دائما عندنا في الداخل يمرجون ويرتعون في الأوكار والأطر والجمعيات والمنتديات المشبوهة والمأجورة والعميلة التي هدفها تدمير الثقافة الحقيقيَّة والقضاء على كل شعور حسِّ وانتماء وطني وليس خدمة الثقافة والأدب والإبداع .
*سؤال 17 ) ماذا يتبقى للكاتبِ حين تنفذُ كلُّ الكلمات ؟؟
- جواب – الكاتبُ الحقيقي والمبدع والذي يمتلكُ ثقافةً واسعة وشاملة في شتى المجالات، وعنده الموهبةُ الفطرية المميزة والطاقات العظيمة لا تنفذ عنده كلُّ الكلمات، بل يبقى دائما عنده ما يقولهُ ويبثهُ. فالكتابةُ للكاتب الحقيقي هي رسالة وهي قضبةُ حياة أو موت.. وإذا لا سمح الله انتهت كلُّ الكلمات لديه وأصيب بالعجز والعقم الكتابي سيغدو كأنهُ ميت في الحياة
*سؤال 18) هل الخلودُ الادبي نتيجةُ سعي ..أم مصادقة يمنحُها الزمن ؟
- جواب – الخلودُ الأدبي والفنِّي هو في الأساس نتيجةُ سعي وجدٍّ وعملٍ دؤوب ومُثابرة وتقديمِ كلّ ما هو جميل ونفيس ومُميَّز من أعمال إبداعيّة. ولا ننسى أنَّ الزمنَ والظروفَ والأوضاع السياسية والاجتماعية وغيرها قد يلعبُون دورا كبيرا في إشهار فلان من الناس لا يستحقُّ الشهرة.. أو على العكس قد يعرقلون مسيرةَ كاتب وشاعر وفنان مبدع وَيَحدُّون وَيُؤخِّرونَ من شهرته وانتشاره .. وهنالك اشخاصٌ عندهم إبداع ولكنهم نالوا شهرةً وانتشارا واسعا أكثير بكثير مما يستحقُّونهُ، وذلك بفضل ظروف سياسيَّة واجتماعيَّة وبفضلِ مؤسساتٍ وأطر ووسائل إعلام عملت على إشهارهم : محليا وخارج البلاد .
وهنالك أشخاص في قمةِ الإبداع وصلوا للعالمية بفضل مستواهم الإبداعي. لقد وصلوا بمجهودهم الفردي وكفاحهم الدؤوب، ولم ينالوا أيَّ دعم ومساعدة من مؤسسات وجمعيات وأو من أية جهة.. مثال على ذلك : الكاتب والأديب اللبناني المَهجري الكبير جبران خليل جبران . ورغم كل الشّهرة التي نالها جبران نشعرُ ونحسُّ جميعا أنه يستحقُّ أكثر بكثير ما وصل إليه. وفي النهاية أقول: لا يصحُّ إلا الصحيح ..وكل كاتب وشاعر مبدع سيأخذُ حقَّهُ وما يستحقهُ من الشهرة والانتشار عاجلا أو آجلا رغم كل محاولات التَّعتيم التي تقفُ في طريقه . واما الذين يأخذون شهرة لا يستحقونها -عندنا في الداخل - بفضل عمالتهم واذنابهم وخيانتهم لقضايا شعبهم، وكتاباتهم دون المستوى المطلوب فمصيرهم ومصير أسيادهم المتواطئين ومن عمل على إشهارهم زيفا وبهتانا إلى مزابل التاريخ.
*سؤال 19) أيُّهما أقسى: ان لا تُقرأ.. أم تُقرأ بطريقةٍ لا تُشبهُكَ ؟؟
- جواب – كلاهما صعب بالتأكيد ..وأظنُّ أن يُقرَأ الكاتبُ والشاعرُ المبدع بطريقة لا تشبههُ أصعب بكثير من أنه لا يقرأ .
*سؤال 20 ) لو مُنحتَ جملة واحدة أخيرة لا تمحى ماذا تودُّ ان تقول للعالم ؟؟
- جواب – أقول: أنا أحب الناس والمجتمع وأكتبُ للإنسان الإنسان الذي يسعى لأجل الحريَّة، وللبشرية جمعاء .. ومن أجل بناء غد جميل ومشرق ينعم الجميعُ فيه بالأمن والحبِّ السلام .
وأخيرا وليس آخرا : شكرا جزيلا لكم على هذا اللقاء الصحفي المطول الذي أجريتمُوه معي، وقد أتاح لي الحديثَ بإسهاب عن مواضيع وقضايا عديدة وهامَّة .
خاتمة الحوار :
بعضُ الحوارات تغلق بنقطة.. وأخرى تتركنا في منتصف الطريق أمام أسئلة أكبر من أن تجاب.
ومع الدكتور حاتم جوعيه لا يبدو السؤال نهاية بل بداية أخرى للمعنى. هنا لا نبحث عن إجابة بقدر ما نصغي إلى صدى الفكرة وهي تتشكل، وإلى القلق وهو يتحول على وعي.
هذا ليس حوارا يقرأ وينتهي ... بل مساحة تفتكر.





.png)


